تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٢٣٥ - حبس حبس
القُتَيْبِيُّ: و رواه بضمٍّ فسُكُون، سُمُّوا بذََلك لتحَبُّسِهِمْ عنِ الرُّكْبانِ و تَأَخُّرِهِمْ. و قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لحَبْسِهِم الخَيّالَةَ ببُطْءِ مَشْيِهِم، كأَنّه جمعُ حَبُوس ، أَو لأَنَّهم يَتَخَلَّفُونَ عنهُم، و يحْتَبسُون عن بُلُوغِهِم، كأَنّه جَمْعُ حَبِيسٍ ، و قال القُتيْبِيُّ:
و أَحْسبُ الوَاحِدَ حَبِيساً ، فَعِيلٌ بمعنَى مفْعُول، و يجوز أَنْ يَكُون حابِساً ، كأَنَّهُ يَحْبِسُ مَن يَسِيرُ من الرُّكْبانِ بمَسِيرِه، كالحُبَّسِ ، كرُكَّع. قال ابنُ الأَثِيرِ: و أَكْثرُ مَا يُرْوى هََكذا، فإِن صَحَّتِ الرِّوَايَةُ فلا يَكُونُ واحِدُهَا إِلاّ حَابِساً ، كشاهِدٍ و شُهَّدٍ، قال: و أَمّا حَبِيسٌ فلا يُعْرَفُ في جَمْعِ فَعِيل فُعَّلٌ، و إِنّمَا يُعْرَفُ فيه فُعُلٌ كنَذِيرٍ و نُذُرٍ.
و من المَجَازِ: الحُبُسُ [١] : كُلُّ شَيْءٍ وَقَفَه صاحبُه وَقْفاً مُحَرَّماً لا يُبَاع و لا يُورَثُ من نَخْلٍ أَو كَرْمٍ أَو غَيْرها ، كأَرْضٍ أَو مُسْتَغَلٍ يُحَبَّسُ [٢] أَصلُه و تُسَبَّلُ غَلَّتُه هََكذا في سائر الأُصول، و في بعض الأُمَّهاتِ: ثَمَرَتُه، أَي تَقَرُّباً إِلى اللََّه تعالَى، كما ١٤- قالَ النَّبِيُّ صلّى اللََّه عليه و سلم لعُمَرَ في نَخْلٍ له أَرادَ أَن يَتَقَرَّبَ بصَدَقَته إِلى اللََّه عَزَّ و جَلَّ، فقالَ لَهُ: « حَبِّس الأَصْلَ و سَبِّل الثَّمَرَةَ. أَي اجْعَلْهُ وَقْفاً حُبُساً .
و ما ١٤- رُوِيَ عن شُرَيْحٍ أَنّه قالَ : «جَاءَ مُحَمّدٌ صلّى اللََّه عليه و سلم بإِطْلاق الحُبُس » . إِنّمَا أَرادَ بهَا ما كانَ من أَهْل الجَاهليَّة يَحْبِسُونَه [٣]
من السَّوَائب، و البَحَائِر، و الحَوَامِي [٤] ، و غيرهَا، و المَعنَى:
أَنَّ الشَّريعَةَ أَطْلَقَتْ ما حَبَسُوا و حَلَّلَتْ ما حَرَّمُوا، و هو جَمْعُ حَبِيسٍ ، و قد رَواهُ الهَرَويُّ في الغَريبَيْن بإِسْكَان الباءِ، قال ابنُ الأَثير: فإِنْ صَحَّ فيكونُ قد خَفَّفَ الضَّمَّةَ، كما قَالُوا، في جَمْعَ رَغيفٍ: رُغْفٌ، بالسُكُون، و الأَصْلُ الضّمُ.
و الحُبْسَةُ ، بالضّمِ : الاسْمُ من الاحْتبَاس، يقال:
الصَّمْتُ حُبْسَةٌ ، و هو تَعَذُّرُ الكَلاَمِ و تَوَقُّفُه عند إِرادَتهِ ، قالَهُ المُبَرِّدُ في «بابِ عِلَلِ اللِّسَانِ» قال: و العُقْلَةُ: الْتِوَاءُ اللِّسَانِ عندَ إِرادَةِ الكَلاَمِ، قال الزَّمَخْشَرِيُّ: الحُبْسَةُ : ثِقْلٌ يَمْنَعُ من البَيَانِ، فإِن كانَ الثِّقَلُ من العُجْمَةِ فهي حُكْلَةٌ.
و من المَجَازِ: الحَبِيسُ من الخَيْلِ ، كأَمِيرٍ: الموْقُوفُ في سَبِيل اللََّه على الغُزاةِ يَرْكَبُونَه في الجِهَادِ، كالمَحْبُوسِ و المُحْبَسِ كمُكْرَمٍ ، قالَهُ اللّيْثُ، و كلُّ ما حُبِسَ بوَجْهٍ من الوُجُوهِ، حَبِيسٌ ، و قَدْ حَبَسَه حَبْساً و أَحْبَسَه إِحْباساً ، و حَبَّسَه تَحْبيساً ، قالَ ابنُ دُرَيْدٍ: و هََذا أَحَدُ ما جَاءَ عَلَى فَعِيلٍ من أَفْعَلَ، قال شيخُنَا: و قال قَومٌ: الفَصِيحُ: أَحْبَسَه و حَبَّسَه تَحْبِيساً . و حَبَسَه ، مُخَفَّفاً، لُغَةٌ رَدِيئَةٌ، و بالعَكْسِ وَقَفَه و أَوْقَفَه؛ فإِنَّ الأَفْصَحَ وَقَفَه مُخَفّفاً، و وَقَّفَ مُشَدّداً مُنْكَرَةٌ قَلِيلَةٌ. قلتُ: و في شَرْح الفَصِيح لابْنِ دَرَسْتَوَيْهِ: أَمّا قَوْلُه:
أَحْبَسْتُ فَرساً في سَبِيلِ اللََّه، بمعْنَى جَعَلْتُه مَحْبُوساً ، فدَخَلَتِ الأَلِفُ لِهََذَا المَعْنَى؛ لأَنَّه من مَوَاضِعِها، و لا يَمْتَنِعُ أَن يُقَالَ: حَبَسْتُ فَرَسِي في سَبِيلِ اللََّه، كما تَقُولُه العَامَّةُ؛ لأَنّه إِذا أُحْبِسَ فقد حُبِسَ ، و لََكن قد اسْتُعْمِلَ هََذا في الوَقْفِ من الخَيْلِ و سائِرِ الأَمْوَالِ التي مُنِعَتْ من البَيْعِ و الْهِبَةِ، للفَرْقِ بينَ المَوْقُوفِ المَمْنُوعِ، و بَيْنَ المُطْلَقِ غير الممنوع.
و الحَبِيس : قَد يَكُونُ فَعِيلاً في مَوْضِعِ مَفْعُولٍ، مثْل قتِيلٍ و جَرِيحٍ، و قد يَقَعُ في مَوْضِع المُفْعَل؛ لأَنَّهُمَا جَمِيعاً في المَعْنَى مَفْعُولان، و إِنْ كانَ لفْظُ أَحَدِهِمَا مُفْعَلا، فلذََلك قِيلِ: حَبَسْتُ فَرَسي فهو حَبِيسٌ .
و الحَبِيسُ ؛ ع، بالرَّقَّةِ فيه قُبُورُ جماعَةٍ شَهِدُوا صِفِّينَ مع عليٍّ رَضِيَ اللََّه عَنْه.
و ذَاتُ حَبِيسٍ : ع، بمَكَّةَ شَرَّفها اللََّه تَعَالَى، جاءَ ذِكْرُه في الحَدِيثِ و هُنَاكَ الجَبَلُ الأَسْوَدُ المُلَقَّبُ بالظُّلَمِ كصُرَدٍ [٥] .
و حَبَسْتُ الفِرَاشَ بالمِحْبَسِ ، بالكسرِ: اسمٌ للمِقْرَمَةِ و هي، السِّتْرُ، أَي سَتَرْته، كحَبَّسْتُه تَحْبِيساً .
و الحابِسَةُ ، و الحَابِسُ : الإِبِلُ كانَتْ تُحْبَسُ عندَ البُيُوتِ لكَرَمِهَا ، و هي الحَبَائِسُ أَيْضاً، و ١٧- في حَدِيث الحَجّاجِ : «أَنَّ الإِبِلَ ضُمُرٌ حُبُسٌ ما جُشِّمَتْ جَشِمَتْ» . قال ابنُ الأَثِيرِ:
هََكَذا رَواهُ الزمَخشَرِيُ [٦] ، و قال: الحُبُسُ : جمْع حابِسٍ ، من حَبَسَه ، إِذا أَخَّرَه، أَي أَنَّهَا صَوَابِرُ على العَطَشِ تُؤَخِّرُ الشرْبَ، و الرِّوَايَةُ بالخَاءِ و النُّونِ.
[١] التهذيب و اللسان: و الحُبُس جمع حبيس يقع على كل شيءٍ.
[٢] في التهذيب: يُحبَّس أصله وقفاً مؤيداً و تسبَّل...
[٣] في التهذيب: يحبسونها.
[٤] الأصل و اللسان و في التهذيب: «و الحامِ» و في النهاية: «الحامي» .
[٥] في معجم البلدان: يقال له أظلم.
[٦] الذي في الفائق ١/٦٣٩ بالخاء و النون المشددة.