بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٠٧ - الاستدلال بطوائف من الروايات لهذا القول والمناقشة فيه
بما إذا لم يكن المال وافياً بالحج البلدي، وكذلك تقييد ما دون الميقات فيها بكونه بحسب سعة المال، أي إذا لم يمكن من بلد الميت فمن بلد آخر الأقرب فالأقرب إلى بلده حسب ما يفي به المال، وليس هذا من الحمل على الفرد النادر، فلا يمكن تعليل عدم إمكان الجمع بين الروايتين بما ذكر.
نعم مرَّ سابقاً أن تقييد رواية زكريا بن آدم بهذا النحو غير مقبول أيضاً من جهة أخرى، وهي أن إطلاق القول بجواز الحج مما دون الميقات وإرادة جوازه على الترتيب المذكور مخالف لأسلوب أهل المحاورة.
إذاً أصل ما أفاده السيد الحكيم (قدس سره) من عدم إمكان الجمع بين روايتي زكريا بن آدم ومحمد بن عبد الله في حد ذاتيهما بتقييد الأولى بالثانية صحيح، وإنما الإشكال في ما ذكره (قدس سره) من إمكان ذلك بالنظر إلى رواية عبد الله بن بكير فإنه يبتني على القول بانقلاب النسبة وهو غير تام كما تقدم.
ولكن هنا كلام آخر، وهو أنه يمكن الجمع بين هاتين الروايتين بالنحو الذي رامه (قدس سره) من دون حاجة إلى رواية عبد الله بن بكير والالتزام بانقلاب النسبة، وهو أن يقال: إن رواية زكريا بن آدم تحمل على القدر المتيقن من موردها وهو صورة عدم تعيين مالٍ للحج به، ورواية محمد بن عبد الله تُحمل أيضاً على القدر المتيقن من موردها وهو تعيين مالٍ للحج به، فإن كلاً منهما نص في ما هو القدر المتيقن من مورده، لأنه غير قابل لتقييده بما عداه، وظاهر في الشمول لغيره، فلا بد من حمل الظاهر على النص من الطرفين.
وهذا نظير ما قيل في التعارض بين قوله ٧ : ((ثمن العذرة من السحت)) وقوله ٧ : ((لا بأس ببيع العذرة)) حيث ذهب بعضهم إلى حمل الأول على القدر المتيقن من مورده وهو العذرة النجسة، والثاني على القدر المتيقن من مورده، وهو العذرة الطاهرة كعذرة مأكول اللحم، فبني على ارتفاع التعارض بينهما بذلك.
ولكن هذا الكلام ضعيف، فإن الجمع بين المطلقين المتعارضين بحمل كلٍ منهما على القدر المتيقن من مورده ليس جمعاً عرفياً، كما لو ورد: (أكرم