بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٠٢ - المناقشة في الاستدلال بالآيات المتضمنة لقوله تعالى مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ بِهَا أَوْ دَيْنٍ على القول بالملك
وهذا أمر على خلاف ارتكاز المتشرعة، بل على خلاف سيرتهم القطعية، فإنهم لا يتعاملون مع تصرف الورثة في أموال مورثهم من دون أداء دين قليل متعلق بذمته على أنه تصرف غصبي [١] .
هذا مع مخالفة الوجه المذكور لموثقة عبد الرحمن بن الحجاج الآتية الدالة على جواز الإنفاق على الورثة من وسط التركة مع عدم اليقين بإحاطة الدين لها. فإنه لا ينسجم إلا مع القول بانتقال التركة إلى ملك الورثة ولا أقل ما عدا مقدار الدين منها.
وبذلك يظهر لزوم توجيه معتبرة عباد بن صهيب وحملها على وجه آخر غير ما هو ظاهرها، وسيأتي الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى.
الوجه الثاني: أن مفاد الآيات الكريمة تحديد ما ينتقل إلى الورثة من التركة بما عدا مقدار الدين والوصية، على أساس أن (اللام) فيها لأصل الملكية، وأما البعدية فحيث إنه لا يصح أن يراد بها البعدية الزمانية ــ كما تقدم آنفاً ــ فالمتعين أن يراد بها البعدية الرتبية، أي أن الآيات الكريمة ناظرة إلى ما يقع من التزاحم بين الدين والإرث في التركة، والمقصود أن الدين يُرجّح على الإرث في مورد التزاحم ــ وهو خصوص ما يساوي الدين من التركة ــ فهو يتقدم عليه في مرحلة التعلق بالتركة، وهذا معنى كون الإرث بعد الدين رتبة.
وعلى ذلك فمفاد الآيات المباركة هو أن ما يقابل الدين والوصية لا ينتقل إلى الوارث، وأما الزائد عليه فينتقل إليه [٢] ــ لعدم المزاحمة ــ على خلاف ما كان
[١] حاول المحقق القمي (قدس سره) التفصي عن هذا المحذور بما لا يفي بمرامه، فراجع ج:٢ ص:٨٤٣ وما بعدها.
[٢] يظهر من السيد الحكيم (قدس سره) في بعض كلماته (مستمسك العروة الوثقى ج:١٠ ص:٢٥١) أنه يرى أن الآيات الكريمة ساكتة عن حكم الزائد على مقدار الدين من التركة، وإنما يحكم بانتقاله إلى الورثة من حيث كونه داخلاً تحت عموم (ما ترك الميت فهو لوارثه).
ويستفاد نحو هذا من كلام المحقق العراقي أيضاً (لاحظ كتاب القضاء ص:٩٣) ولكن مقتضى استظهار البعدية الرتبية من الآيات المباركة ــ كما التزما به ــ هو استفادة انتقال ما عدا مقدار الدين إلى الورثة من الآيات نفسها، فتدبر.