بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٨٧ - الاستدلال بخبر زكريا بن آدم للمدعى المذكور والمناقشة فيه
كانت مطلقة من حيث سعة المال وعدمها ولكنها غير قابلة للتقييد برواية محمد بن عبد الله، فإنه ليس من الجمع العرفي في شيء، إذ ليس مقتضى الأخيرة مجرد لزوم أداء الحج البلدي عن الميت مع وفاء المال به ليقال إن ما ورد في رواية زكريا بن آدم من جواز أداء الحج غير البلدي لا يأبى الحمل على غير هذه الصورة، بل مفادها لزوم أداء الحج عن الميت من المكان الذي يفي ماله بذلك، فإن وفى من بلده فمنه، وإلا فمن الأقرب فالأقرب إلى البلد بحسب مراحل الطريق إلى الميقات.
وهذا المعنى مما لا يمكن أن تحمل عليه رواية زكريا بن آدم، أي أن يقيّد جواز الحج مما دون الميقات بما إذا لم يكن المال وافياً بالحج البلدي، ويقيّد أيضاً بكونه من المكان الذي يفي به المال المختلف حسب اختلاف الموارد والحالات، فإن إطلاق القول بجواز الحج مما دون الميقات وإرادة كونه على الترتيب المذكور اعتماداً على قرينة منفصلة خارج عن أسلوب أبناء المحاورة.
وهو نظير أن يوجب المولى إكرام زيد على خادمه عمرو، فيسأله عمرو هل يكفي أن أكرمه بما دون مائة ألف دينار، فيقول المولى: يجوز، ويقصد جواز ذلك مقيداً بالأقل فالأقل إذا لم يكن عنده تمام المائة ألف دينار، أي أنه إذا كان عنده مائة ألف فلا يكتفى بالأقل منها، وإذا لم يكن عنده إلا تسعون ألفاً مثلاً فلا يكتفى بها دونها، وإذا لم يكن عنده إلا ثمانون ألفاً فكذلك، وهكذا لا يكتفى بالأقل مع تيسر الأزيد منه، فإن إرادة هذا المعنى مع إطلاق القول بالجواز اعتماداً على قرينة منفصلة غير مقبول لدى العرف.
وعلى ذلك فلا يمكن الجمع بين روايتي زكريا بن آدم ومحمد بن عبد الله بحمل الأولى على الثانية على النهج المذكور. نعم يمكن حمل الأولى على مورد الوصية بالحج من غير تعيين المال والثانية على مورد الوصية به مع تعيين المال وبه يرتفع التنافي بينهما ولكنه عندئذٍ لا تصلح الأولى أي رواية زكريا بن آدم دليلاً في ما هو محل الكلام كما هو ظاهر.
هذا، والإنصاف: أن هذه المناقشة تامة في أصلها، أي أنه لا يمكن الجمع