بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٨٥ - الاستدلال بخبر زكريا بن آدم للمدعى المذكور والمناقشة فيه
الوجه الثاني: أن هناك رواية أخرى وردت في مورد رواية زكريا بن آدم المبحوث عنها، وهي ما رواه ابن أبي نصر عن محمد بن عبد الله قال [١] : سألت أبا الحسن الرضا ٧ عن الرجل يموت فيوصي بالحج، من أين يُحج عنه؟ قال ٧ : ((على قدر ماله، إن وسعه ماله فمن منزله، وإن لم يسعه ماله من منزله فمن الكوفة، فإن لم يسعه من الكوفة فمن المدينة)).
والنسبة بين هذه الرواية ورواية زكريا ابن آدم ــ كما ذكر بعض الأعلام (طاب ثراه) [٢] ــ هي النسبة بين العام والخاص، فيلزم تقييد رواية زكريا بن آدم بصورة عدم وفاء مال الميت بالحج من البلد، لأنها مطلقة من حيث سعة المال وعدم سعته، ورواية محمد بن عبد الله مقيدة، فإنها تدل على لزوم أن يراعى مقدار مال الميت في تعيين المكان الذي يبدأ فيه بالحج عنه، ومعنى ذلك أن المال إذا كان كافياً لأداء الحج البلدي عنه لم يجز غير ذلك، وبذلك تكون هذه الرواية مقيدة لرواية زكريا بن آدم، فتحمل على صورة عدم سعة المال لأداء الحج من بلد الميت.
وعلى ذلك فلا يستفاد منها جواز إخراج الحج غير البلدي في مورد الوصية بالحج اختياراً، أي وإن وسع المال لأداء الحج البلدي، حتى يُتعدى منه إلى ما هو محل البحث من الحج غير الموصى به بالأولوية.
ولكن يمكن أن يلاحظ على هذا الوجه بأنه مبني على أن لا يكون مورد رواية محمد بن عبد الله هو خصوص ما إذا عيّن الموصي مقداراً من المال لأداء الحج عنه مع أن موردها ذلك، بقرينة قول الإمام ٧ في الجواب: ((على قدر ماله)). ومن الواضح أن في مثله تكون الوصية ظاهرة في إرادة الحج من أبعد مكان يمكن أن يفي به ذلك المال، أي من بلد الميت إن أمكن وإلا الأقرب فالأقرب إليه، كما أوضحه ٧ بقوله: ((إن وسعه ماله فمن منزله، وإن لم يسعه ماله من منزله فمن الكوفة، فإن لم يسعه من الكوفة فمن المدينة)).
[١] الكافي ج:٤ ص:٣٠٨.
[٢] المرتقى إلى الفقه الأرقى (كتاب الحج) ج:١ ص:١٩٩.