بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢٣٥ - المناقشة في دلالة الصحيح على المدعى
أقرب المواضع تقليلاً لكلفته، والتنزّل في الزكاة من صرف تمام التركة في أدائها بصرف جزء منها في ذلك، فهذا نحو من الجمع بين الحقين، لا من باب تقديم الحج على الزكاة مطلقاً.
وعلى ذلك فلا يستفاد من الصحيحة حكم ما إذا كانت التركة من القلّة بحيث لو صرفت في أداء الحج لا يبقى للزكاة شيء معتد به، كما لو كانت كلفة الحج في مورد سؤال معاوية يقرب من ثلاثمائة درهم، بل وكذلك إذا كان الميت قد أوصى بأداء الحج عنه من أقرب ما يكون، فإن إخراج الحج عنه كذلك وصرف الباقي في الزكاة ليس من الجمع بين الحقين، بل تقديم الأول على الثاني.
ولعله إلى هذا المعنى أشار المحقق الحلي (رضوان الله تعالى عليه) [١] بقوله: (إنما بدأ بالحج لأنه اقتصر على أقل ما يمكن معه إيقاع الحج، وهو أقرب الأماكن، فلو نقص عن ذلك لم يكن الحج ممكناً، أما الزكاة فيمكن إخراج القليل والكثير فيكون زكاة، ولما كان لا بد من الجمع بين الأمرين، وكان الجمع لا يمكن إلا على هذا الوجه اعتمد عليه) ثم أشار (قدس سره) إلى أن هذا الوجه يؤيده النظر أيضاً بالإضافة إلى ورود النص به.
فالنتيجة: أن ما يدل عليه صحيحة معاوية بن عمار هو تقديم الحج على الزكاة إذا كان الباقي مقداراً معتداً به للزكاة كما في مورد الصحيح، حيث لم يكن يكلف الحج آنذاك من بعض الأماكن القريبة أكثر من خمسين درهماً، كما ورد ذلك في صحيحة علي بن رئاب المتقدمة.
وأما الاستدلال بالصحيحة على تقديم الحج على الزكاة ولو لم يكن يبقى للزكاة شيء فليس بواضح. بل وكذا إذا لم يكن في ذلك جمع بين الحقين بالتنقيص من كليهما، فالأمر أيضاً لا يخلو من تأمل.
وبالجملة: إن الصحيحة قاصرة الدلالة عن تقديم الحج على دين الزكاة مطلقاً. نعم إذا ثبت تقديمه على مطلق الدين استناداً إلى بعض النصوص ــ كما
[١] النهاية ونكتها ج:٣ ص:١٧٥.