بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٣١ - المناقشة في الاستدلال بالآيات المتضمنة لقوله تعالى مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ بِهَا أَوْ دَيْنٍ على القول بالملك
الأولى: صحيحة زرارة [١] قال: قلت لأبي عبد الله ٧ : رجل حلّت عليه الزكاة، ومات أبوه وعليه دين، أيؤدي زكاته في دين أبيه، وللابن مال كثير؟ فقال: ((إن كان أبوه أورثه مالاً ثم ظهر عليه دين لم يعلم به يومئذٍ فيقضيه عنه، قضاه من جميع الميراث ولم يقضه من زكاته، وإن لم يكن أورثه مالاً لم يكن أحد أحق بزكاته من دين أبيه فإذا أداها في دين أبيه على هذه الحال أجزأت عنه)).
فإن ظاهرها أن أموال الميت تنتقل إلى ابنه وإن كان عليه دين، فإن قوله ٧ : ((إن كان أبوه أورثه مالاً)) ظاهر في إرادة صيرورة المال ملكاً للابن لا مجرد صيرورته في يده، إذ إرث المال هو انتقاله من ملك الميت إلى الحي [٢] .
[١] الكافي ج:٣ ص:٥٥٣.
[٢] قد يناقش في كون هذا هو المعنى اللغوي لإرث المال، لخلو المعاجم اللغوية عما يشير إليه، بل يقال: إن المستفاد من كلمات بعضهم أن إرث الميت هو ما يبقى منه مالاً كان أو مجداً أو غيرهما، وأما صيرورة ماله ملكاً لورثته فليس هو مما يقتضيه مفهوم الإرث. قال الخليل (العين ج:٢ ص:١٦٤): (الإيراث: الإبقاء للشيء، يورث: أي يبقي ميراثاً)، وقال ابن عباد (المحيط في اللغة ج:١٠ ص:١٦٢): (المُورث: المُبقي)، وقال ابن الأثير (النهاية في غريب الحديث ج:١ ص:١٨٦): (التراث: ما يخلفه الرجل لورثته).
أقول: إن الفعل (ورث) إنما يسند إلى الحي، فيقال: (ورث فلان أباه) أو (ورث فلان مال أبيه) فالولد وارثٌ والأب والمال موروثٌ. ولا ينبغي الإشكال في أن المتبادر منه هو انتقال مال الأب بوفاته إلى ولده، والانتقال في كل شيء بحسبه، وهو في المال ظاهر في صيرورته ملكاً للمنتقل إليه.
وهذا هو المنسجم مع كلمات جملة من اللغويين كقول ابن فارس (معجم مقاييس اللغة ج:٦ ص:١٠٥): (هو أن يكون الشيء لقوم ثم يصير إلى آخرين بنسب أو سبب)، وقال الراغب الأصفهاني (مفردات غريب القرآن ص:٥٥٥): (الوراثة والإرث انتقال قنية إليك عن غيرك من غير عقد ولا ما يجري مجرى العقد. وسمّي بذلك المنتقل عن الميت) وحكى الزبيدي (تاج العروس ج:٣ ص:١٦٤) عن شيخه أن الإرث هو (استيلاء الشخص على مال وليه الهالك) وفي أقرب الموارد (ج:٢ ص:١٤٤١): (ورث أباه: انتقل إليه ماله بعد وفاته).
وأما ما تقدم عن بعضهم من تفسير الإيراث بالإبقاء للشيء والمورث بالمُبقي فهو لا يعدو كونه تفسيراً بالمعنى الأعم، بقرينة تصريح الجوهري (الصحاح ج:١ ص:٢٩٦) وغيره بأن معنى قولهم: ورّث فلاناً وأورثه هو أدخله في ماله على ورثته، فتدبر.