بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١٧١ - الوجوه المحتملة في مفاد صحيحة بريد العجلي
صارت في أيديهم، فإن من أهم أسباب تجاوز الورّاث على التركة وتخلفهم عن إخراج حجة الإسلام منها ــ وكذلك في الدين وما يوصي به الميت من الثلث ــ هو فقرهم وفاقتهم واحتياجهم المبرم إلى المال مع ضعف التزامهم الديني [١] .
ففقر الوارث وفاقته الشديدة مما يورث الاحتمال المعتد به بعدم قيامه بإخراج حق الميت من تركته، ولذلك ذكر بريد فقر ورثة صاحب الوديعة وأراد أن الوديعة مع تسليمها إليهم في معرض عدم صرفها في أداء الحج عنه، فهذا هو المراد الجدي من الجملة المذكورة.
وعلى هذا الوجه فالصحيحة إنما تدل على ولاية الودعي على التصرف في الوديعة في سبيل أداء الحج عن الميت في صورة احتمال تخلف الورثة عن أداء واجبهم لو تسلموا الوديعة، وتلحق بها صورة العلم بالتخلف بالأولوية، كما هو واضح.
وأما مع حصول الوثوق بأنهم لن يتخلفوا عن إخراج الحج لو سُلِّمت الوديعة إليهم على الرغم من فقرهم وحاجتهم إلى المال فلا دلالة في الصحيحة على ولاية الودعي على التصرف فيها، لأن المفروض أن المراد الجدي من الجملة المذكورة هو الإيعاز إلى معرضية الوديعة للتصرف فيها على غير وجهها، وهذا المعنى منتفٍ فيما إذا فرض الوثوق بالورثة وأنهم لا يتخلفون عن واجبهم في صرف الوديعة في أداء الحج عن الميت.
وأيضاً مقتضى هذا الوجه عدم الخصوصية لفقر الورثة وعدم امتلاكهم شيئاً من المال، بل العبرة باحتمال تصرفهم في الوديعة في غير وجهها من أداء
[١] وفي الحقيقة أن الفقر والفاقة أحد الموجبات الرئيسة لضعف الجانب الديني في الإنسان، ولعل هذا أحد معاني قوله ٦ : ((كاد الفقر أن يكون كفراً)) أي إنه يُخرج الإنسان غالباً عن الالتزام الديني، فلا يتحرج عن سلوك أي طريق للحصول على المال وإن كان محرماً بل وتعدياً على أموال الآخرين، فيكون عندئذٍ كمن لا يؤمن باليوم الآخر ولا يتيقن بحساب ذلك اليوم كما هو حال الكافر.
وقد فسر النبوي المذكور بما يقرب من هذا المعنى في بحار الأنوار (ج:٧٠ ص:٢٤٧) منسوباً إلى الراوندي.