بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣١٩ - المناقشة في الاستدلال بالآيات المتضمنة لقوله تعالى مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ بِهَا أَوْ دَيْنٍ على القول بالملك
والحاصل: أن هذا الوجه الرابع غير تام أيضاً وإن كان مقتضاه هو القول بالحق، بخلاف الوجوه الثلاثة السابقة عليه، فإن تلك الوجوه ــ كما مرَّ ــ تبتني على الرجوع إلى مطلقات الإرث في انتقال تمام التركة حتى ما يقابل الدين إلى الورثة، ولكن تقدم الخدش في وجود مطلقات تدل على ذلك، وأما هذا الوجه فهو لا يبتني على الرجوع إلى المطلقات بل مبناه على استفادة أصل انتقال التركة إلى الورثة من قوله تعالى: ((وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ)) ، فتأمل.
الوجه الخامس: أن مفاد الآيات الكريمة هو أن كلاً من الدين والوصية يتقدم عند المزاحمة على الإرث، سواء أكان التزاحم في أصل ثبوت الإرث أو في ترتيب آثار ملكية الورثة للتركة، فـ(اللام) للأعم من أصل الملكية والملكية المستقرة، والبعدية رتبية لا لحاظية ولا زمانية خارجية.
وهذا الوجه هو المنسجم مع ما أفاده سيدي الأستاذ الوالد (دامت بركاته) ــ في تعليقه [١] على قول السيد الحكيم (قدس سره) [٢] : (إن ظاهر النصوص .. الترتيب بمعنى الترجيح والأهمية فيختص بصورة التزاحم) ــ حيث قال: (معنى التقدم الرتبي أنه عند التزاحم يتقدم أحد الأمرين على الآخر، لا نفي الثاني في مورد ثبوت الأول، وهذا كما يقال: أنا مسلم قبل أن أكون عربياً، ومعناه: أن إسلامي إذا اقتضى فعلاً أو تركاً على خلاف ما تقتضيه عروبتي فأنا أعمل وفق ما يقتضيه الإسلام. ومرجع تقدم الدين على الإرث عند التزاحم إلى أن الدين إذا توقف أداؤه على بيع شيء من التركة فقانون ملكية الورثة لها لا يزاحمه، بل الأول يتقدم عليه، فلا بد أن لا يراد بـ(اللام) مطلق الملكية بل الملكية التامة التي لا يمنع من الجري على وفقها حق من الحقوق المتقدمة عليها، وهذا معنى كون البعدية رتبية لا زمانية).
ولتوضيح هذا الوجه أقول: إن قولهم: (كذا قبل كذا) أو (كذا بعد كذا) أو (كذا ثم كذا) تعابير متداولة عند العرف لإفادة ترجيح أحد الأمرين على
[١] وهو ما خطّه بقلمه الشريف على هامش نسخته من المستمسك.
[٢] مستمسك العروة الوثقى ج:٥ ص:٤٣٥.