بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١٩٧ - الوجوه المحتملة في مفاد صحيحة بريد العجلي
هذا تمام الكلام في ما يتعلق بصحيحة بريد العجلي المتقدمة في أصل دلالتها على الحكم المذكور [١] .
[١] ذكر السيد الأستاذ (دام تأييده) في مجلس البحث كلاماً في توجيه الحضور أورده في ما يلي لما فيه من فائدة.
قال: هناك أمور أجدها تحظى بأهمية كبيرة لمن يريد أن يترقّى في مدارج العلم ويحظى بأكبر قدر من الاستفادة من حضور ما يسمى بالبحث الخارج ..
الأمر الأول: التقيّد بكتابة البحث لا بصورة حرفية لما يُلقيه المحاضر اعتماداً على أداة التسجيل، فإنها قليلة الجدوى، بل بنحو مختلف عنها ولو بعض الشيء بالتوضيح والتفصيل أحياناً، والاختصار والتشذيب أحياناً أخرى، ومحاولة استخدام تعابير مختلفة ربما تكون أوفى ببيان المقصود، ونحو ذلك مما يضع به الكاتب لمساته على ما يكتب وإن كان تحريراً لمحاضرة غيره.
ولا يعتبر بالضرورة أن يبيّض ما يكتب، بل ولا يعتبر أن يمارس الكتابة بصورة منتظمة، بحيث إنه لو دار الأمر بين أن لا يكتب أصلاً وبين أن يكتب حسب ما يسمح به وقته يُرجّح له أن يكتب ولو أحياناً.
وفائدة الكتابة كبيرة من جانبين ..
الأول: الحصول على ملكة تحرير المطالب العلمية على النهج المتعارف، بصورة صحيحة وبلغة مفهومة غير قلقة، فإن هذه الملكة لا تُستحصل إلا بالممارسة الطويلة، ومن الواضح أن فقدانها يُعدّ نقصاً كبيراً.
وقد شوهد العديد من العلماء الذين كان يتعذّر عليهم تحرير صفحة واحدة من إبداعاتهم الفكرية بصورة خالية من الخلل، بسبب عدم ممارستهم للكتابة في شبابهم. وقد ضاعت بذلك عليهم وعلى المجامع العلمية أفكار عظيمة لو حُرِّرت لساهمت في تطور العلوم.
وبالجملة: السعي في الحصول على ملكة الكتابة أمر في غاية الأهمية.
الثاني: أن هناك الكثير من الملاحظات والأفكار مما يخطر ببال الطالب حين محاولته كتابة البحث ــ بالصورة التي سبق الإيعاز إليها ــ وبالتأكيد إن قسماً من تلك الملاحظات والأفكار لن تخطر بباله بمجرد قراءة البحث من خلال كتابة زميل له، حتى لو كرّر القراءة عدة مرات.
وأما ما جرى عليه دأب بعض الأخوة من الاعتماد على ما يكتبه أحد الحضور ويدرجه في جهاز الحاسوب فهو أمر غير صحيح ويضرّ بالنمو العلمي للطالب، فلهذا أنصح بترك الاعتماد على هذه الطريقة.
الأمر الثاني: صرف ما يسمح به الوقت في التدقيق في ما يُلقيه المحاضر، ومحاولة الوصول إلى مكامن الخلل والإشكال فيه، أو ما يمكن أن يكون مكمّلاً له ومعاضداً له في بعض جوانبه، وهذا بعد التأكّد من استيعاب ما ذكره وفهمه بصورة جيدة.
وإن ممّا يساعد كثيراً على النمو العلمي للطالب هو أن يكون بناؤه النفسي على أن ما يُلقيه المحاضر ليس خالياً من النقص والإشكال ولا متكاملاً من كافة النواحي، بل إن هناك أموراً يمكن نقضها، وأخرى يمكن الإتيان بأفضل منها. وأما من يبني على أن ما يذكره المحاضر هو الصورة المتكاملة لما ينبغي أن يقال فهذا يضر كثيراً بتقدّمه ونموّه العلمي.
وليس الغرض من هذا الكلام هو تشجيع الطالب على التسرّع في المناقشة والإشكال من دون تدبّر وتدقيق، فإن هذا مضر جداً، بل المقصود هو أن يسعى في الحصول إلى ما هو أرقى مما يقول المحاضر، من أفكار ناضجة وآراء سديدة تلقى قبولاً من الآخرين.
ولا يُعتبر بالضرورة أن يقبل المحاضرُ ما يطرحه عليه من اعتراض أو إشكال، بل يكفي إيصال الفكرة إليه، فإن كان جوابه مقنعاً فهو، وإلا فيمكن إدراج الإشكال في هامش التقرير، فربما يلتفت الطالب لاحقاً عندما يتقدم في مدارج العلم إلى خطأ ما طرحه في وقت سابق، وربما يجد فيه فكرة صحيحة يمكن البناء عليها.
الأمر الثالث: المباحثة مع أحد الزملاء مباحثة مبنية على النقد والإشكال، وليس على فهم البحث فقط، وهذا أمر في غاية الأهمية أيضاً. فالحصول على زميل جيد للمباحثة ليس بأقل أهمية من الحصول على أستاذ جيد.