بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢٢٢ - الاستدلال بقاعدة أن دين الله أولى بالقضاء على تقديم الحج على الزكاة
القضاء.
نعم تقدم أن لهذه القضية لفظاً آخر يماثل ما ورد في سائر الروايات، وهو: ((ودين الله أحق أن يقضى))، فلا يكون ظاهراً ــ في حد ذاته ــ في ما ذكر من الوجه، ولكنه لا يأبى إرادته منه، كما هو الحال في لفظ القضية الأولى. ويمكن أن يقال: إنه يتعين حملهما عليه، إذ لولاه يكون التعليل الوارد في كلام النبي ٦ تعليلاً بأمر تعبدي صرف، وهو خلاف الظاهر كما تقدم.
بل يمكن أن يجعل هذا الأمر قرينة على أن ألفاظ القضايا الأخرى ــ الظاهرة في إرادة الوجه الأول الذي ذكره السيد الحكيم (قدس سره) ــ لم تنقل بصورة دقيقة، أي: إن السؤال والجواب فيها لم يكن عن أصل مشروعية القضاء، بل عن رجحانه أو لزومه، ولكن سوء الفهم أو النقل أدى إلى التغيير في مفادها.
وعلى ذلك يتجه الاستدلال بقوله ٦ : ((إن دين الله أحق بالقضاء)) على تقدم دين الله تعالى على دين الناس عند قصور التركة عن الوفاء بهما,
ولكن هذا البيان ضعيف، فإنه وإن كان من شأن التعليل أن لا يكون تعليلاً بأمر تعبدي صرف إلا أن هذا لوحده لا يشكل قرينة كافية تورث الاطمئنان بوقوع الخلل في نقل تلك القضايا، بل إن من القريب جداً كون السؤال فيها عن أصل المشروعية والصحة لا عن الوجوب والاستحباب، فإن النيابة في العبادات البدنية لم تكن أمراً معروفاً بين المسلمين في العصر الأول ولا سيما مع مخالفتها لإطلاق قوله عز وجل [١] : ((وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى)) . ولذلك فمن المناسب جداً أن يكون السؤال في تلكم النصوص عن أصل مشروعية النيابة عن الميت في الحج والصوم، لا أن مشروعية النيابة فيهما كانت أمراً مسلماً واضحاً وإنما وقع السؤال عن استحباب الإتيان بالقضاء أو لزومه، فإن هذا المعنى بعيد جداً. وعلى ذلك فلا محيص من تأويل الجواب، وحمل التعليل الوارد فيه على كونه إقناعياً، فتأمل [٢] .
[١] النجم: ٣٩.
[٢] في السنن الكبرى للبيهقي (ج:٢ ص:٣٢٩) بإسناده عن سودة بنت زمعة قالت: جاء رجل إلى رسول الله ٦ فقال: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع أن يحج. فقال رسول الله ٦ : ((لو كان على أبيك دين فقضيته عنه قُبِل منك؟)) قال: نعم. قال: ((فالله أرحم. حج عن أبيك)).
ومقتضى هذا النص أن المقصود بأولوية دين الله بالقضاء هو أن الله تعالى لما كان أرحم فهو أولى بأن يقبل القضاء في دينه على الميت كما يقبل الناس قضاء دين الميت، فيندفع الإشكال عن كون التعليل بأمر تعبدي، فتدبر.