بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١٢٥ - حكم ما لو أحرز الودعي امتناع الورثة عن أداء الحج عن الميت لو سلّمهم الوديعة
في هذا البيان هو أن من المقطوع به أن الشارع المقدس لا يرضى بالفوضى واختلال النظام فهذا وإن كان أمراً صحيحاً، أي أنه لا إشكال في عدم رضا الشارع بأن تعم الفوضى ويختل النظام في أي عصر وزمان، لما فيه من فساد العباد وخراب البلاد كما لا يخفى، إلا أن تفادي هذا المحذور والمنع من وقوعه إنما يتوقف على وجود سلطة القانون في البلد ــ وإن كان قانوناً وضعياً لا يتطابق مع الشرع الشريف بطبيعة الحال إلا جزئياً ــ أو يكون هناك من يحكم الناس فينقادون له وإن كان حكمه فردياً ولا يتبع قانوناً معيناً، ولذلك ورد عن الإمام أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) أنه قال [١] : ((لا بد للناس من أمير بَرّ أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر ويبلّغ الله فيها الأجل ويُجمع به الفيء ويقاتل به العدو، وتأمن به السُبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح به بَرّ، ويُستراح من فاجر))، أي حتى يستريح الأمير البر بوفاته أو انعزاله، أو يستريح الناس من الأمير الفاجر بموته أو عزله.
وبالجملة الذي يمنع من الفوضى واختلال النظام هو وجود حكومة تُمسك بزمام السلطة، ولا يمكن أن يستكشف من عدم رضا الشارع المقدس بالفوضى واختلال النظام أنه أذن للفقيه الجامع لشرائط الفتوى في التصدي لما يمتنع عنه بعض المكلفين من أداء ما يجب عليهم من حقوق الناس مما يتيسر للفقيه التصدي له ــ ويختلف ذلك بطبيعة الحال سعة وضيقاً باختلاف الأزمان والأشخاص ــ فإن عدم تصدي الفقيه لذلك وضياع حقوق من يتوقف استيفاء حقوقهم على ولايته على الممتنع لا يؤدي إلى الفوضى واختلال النظام أبداً، كما هو ظاهر.
وأما إذا كان مرتكز كلامه (قدس سره) هو أن من المقطوع به أن الشارع المقدس يريد إقامة نظام مبني على أساس القسط والعدل الإسلامي، يُعطى فيه لكل إنسان حقه، ويؤخذ فيه من القوي حق الضعيف وفق الشريعة المقدسة، وأنه لا يرضى بترك إقامة مثل هذا النظام ولو لم يكن في تركه الفوضى واختلال النظام.
[١] نهج البلاغة ج:١ ص:٩١.