بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢١٤ - الوجوه التي أُستدل بها على تقديم الزكاة على الحج
الأمر الثالث: ما ذكره السيد الأستاذ (قدس سره) وغيره من أن في حقوق الناس جانبين: حق الناس، وحق الله. وفي حقوق الله تعالى جانب واحد. فيترجح الأول على الثاني.
ولكن قد مرَّت الخدشة فيه بأن اجتماع الحقين لا يقتضي أهمية حق الناس من بعض حقوق الله، بل قد ورد في بعض النصوص خلاف ذلك، كرواية عبيد بن زرارة [١] عن أبي عبد الله ٧ قال: قلت: أكل الدرهم من مال اليتيم ظلماً أكبر أم ترك الصلاة؟ قال: ((ترك الصلاة)).
والحاصل: أن الأمور التي اُستدل بها على قاعدة أهمية حق الناس من حق الله تعالى لا تفي بإثبات هذه الكلية.
ولكن تقدم في شرح (المسألة ٣٥) أنه يمكن الالتزام بأهمية الدين من الحج لوجه آخر، وهو أن وجوب الحج من الأحكام الشرعية التعبدية الصرفة، ووجوب أداء الدين مما يحكم به العقل وإن لم يرد دليل عليه من الشرع الحنيف، لأن في ترك أداء الدين ظلماً للدائن، وما يكون كذلك ــ أي مما يحكم به العقل ــ فهو أهم عند الشارع المقدس بتقريب مرّ بيانه، فراجع.
إلا أن هذا الكلام إن تم فإنما يتم في غير الدين الشرعي أي ما يكون ديناً بموجب حق ثبت من جهة الشرع الشريف تعبداً كالزكاة، فإنه لم يثبت في مثل ذلك أهمية الدين مما هو من حق الله سبحانه وتعالى محضاً كالحج.
فالنتيجة: أن أهمية بعض حقوق الناس من معظم ما يسمى بحقوق الله تعالى وإن كانت ثابتة، إلا أن أهمية دين الزكاة من الحج ليست بذلك الوضوح.
الجهة الثانية: أن لزوم إخراج الدين من أصل التركة مذكور في كتاب الله تعالى في قوله تعالى [٢] : ((مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ)) فيكون ذلك من الفرائض، وأما لزوم إخراج حجة الإسلام من الأصل فهو ثابت من السنة، والفرائض أهم من السنن، كما مرّ الإيعاز إلى وجهه في بعض المباحث السابقة.
[١] الكافي ج:٢ ص:٢٧٨.
[٢] النساء: ١١.