بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٢٠ - المناقشة في الاستدلال بالآيات المتضمنة لقوله تعالى مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ بِهَا أَوْ دَيْنٍ على القول بالملك
الآخر عند وقوع التزاحم بينهما، فإن كان التزاحم في أصل الوجود لم يثبت المتأخر رتبة أصلاً، وإن كان التزاحم في بعض آثاره لم يثبت ذلك الأثر خاصة.
وبعبارة أخرى: إن التزاحم قد يكون بلحاظ أصل الوجود، وقد يكون بلحاظ ترتيب بعض الآثار، ومفاد التعابير المذكورة هو ترجيح أحد الأمرين على الآخر في مورد التزاحم وفي حدود ما يقتضيه.
مثلاً: لو قيل: (الوطن قبل العشيرة) فمعناه: إذا كان الانتماء إلى العشيرة يقتضي أمراً على خلاف مصلحة الوطن فلا يجوز القيام بذلك الأمر بل لا بد من تقديم مصلحة الوطن في مثل ذلك. وكذا لو قيل: (الصداقة بعد القرابة) أي إذا كانت قرابة الإنسان من شخص تتطلب القيام بأمر وصداقته من شخص آخر تقتضي خلاف ذلك فينبغي تقديم القرابة على الصداقة، وليس معنى هذه الجملة أنه لا محل للصداقة أي اتخاذ أحدٍ صديقاً مع وجود القريب.
وفي الخبر: ((الجار ثم الدار)) أي أن رعاية الجار مقدمة على رعاية أهل الدار، ولذلك كانت الصدّيقة الزهراء (سلام الله عليها) تدعو لجارها قبل أن تدعو لنفسها، وعندما سُئلت عن ذلك أجابت بقولها [١] : ((الجار ثم الدار)).
وأيضاً يقال: (الحج قبل الزواج) أي يقدم الحج على الزواج عند دوران الأمر بينهما، فإن كان التزاحم بين أصل الزواج وبين أداء الحج يتقدم الحج ولا زواج، كما إذا كان ما لديه من المال يقصر عن نفقة الحج وعن مهر الزوجة جميعاً، ولا يمكنه الزواج من دون تقديم المهر للمرأة معجلاً. وأما إذا كان التزاحم بين أداء الحج والإتيان ببعض مقتضيات الزواج كوليمة العرس ــ مثلاً ــ فليس مقتضى القول بأن الحج قبل الزواج هو عدم الإقدام على أصل الزواج إلا بعد أداء الحج، بل عدم ترتيب ذلك الأثر الخاص وهو إقامة وليمة العرس ــ مثلاً ــ مع اقتضاء أداء الحج خلاف ذلك.
وكذا الحال في قوله ٧ [٢] : ((الخمس بعد المؤونة)) بناءً على كون المراد
[١] علل الشرائع ج:١ ص:١٨٢.
[٢] تهذيب الأحكام ج:٤ ص:١٢٣.