بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٠٤ - المناقشة في الاستدلال بالآيات المتضمنة لقوله تعالى مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ بِهَا أَوْ دَيْنٍ على القول بالملك
للميت مطلقاً حيث حكي عنه أنه قال: (إن الدين الثابت في ذمة الميت يتعلق ــ بمجرد وفاته ــ بتركته بحيث تصير التركة مخرجاً لدين الديّان .. لعدم اعتبار الذمة للميت حتى يعتبر بقاء الدين في ذمته)!!
وكيفما كان فما أفاده المحقق العراقي (قدس سره) في تصوير التزاحم بين الدين والإرث في ملكية ما يساوي الدين من التركة غير تام. ولو كان تاماً لصح ما استنتجه من أن مقتضى البعدية الرتبية ــ المستفادة من الآيات الكريمة ــ هو عدم انتقال التركة بمقدار ما يساوي قيمة الدين إلى ملك الورثة.
والملاحظ أن السيد الحكيم (قدس سره) الذي وافق أستاذه المحقق العراقي (رضوان الله تعالى عليه) في أصل فكرة التزاحم بين الدين والإرث والبعدية الرتبية للثاني لم يأخذ بما ذكره في تصوير التزاحم بينهما في أصل الملكية، ولكنه لم يذكر تصويراً آخر له، ولذا كان تقريبه لهذا الوجه ناقصاً لا يفي بإثباته.
وبالجملة: إن الوجه الثاني المذكور مبني على وقوع التزاحم بين الدين والإرث، وهو غير واضح في أصل ملكية المقدار المساوي لقيمة الدين، فإن معنى الدين اشتغال ذمة الميت بمقدار من المال، ومعنى الإرث انتقال التركة إلى ملكية الورثة، فأي تزاحم وتنافٍ بينهما؟!!
وأما التزاحم بين أداء الدين والإرث فهو غير حاصل أيضاً، فإنه لا منافاة بين الحكم بانتقال التركة إلى الورثة مع لزوم أداء الدين منها، كما هو مقتضى القول بالحق. وعلى ذلك فليس مقتضى البعدية الرتبية للإرث هو عدم انتقال مقدار الدين إلى ملك الورثة كما رامه القائلون بهذا الوجه.
الوجه الثالث: أن مفاد الآيات الكريمة هو تحديد ما ينتقل إلى الورثة من التركة بما عدا مقدار الدين، على أساس أن (اللام) فيها لأصل الملكية، وأما البعدية فحيث إنه لا يصح أن يراد بها البعدية الزمانية ــ لما مر في مناقشة الوجه الأول ــ فالمراد بها البعدية اللحاظية.
ومعنى البعدية اللحاظية هو أن الإرث يثبت بعد لحاظ مقدار الدين أي باستثناء مقداره، ومقتضى ذلك أن الذي ينتقل إلى الورثة هو ما عدا مقدار