بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١٨٦ - الوجوه المحتملة في مفاد صحيحة بريد العجلي
سلمت إليهم الوديعة، فلم يتضمن سؤال بريد ما يشير إلى موقف سلبي معلوم أو محتمل للورثة تجاه إخراج الحج عن الميت لو تسلموا الوديعة.
وعلى ذلك فمن غير المستساغ عرفاً أن يطلق الإمام ٧ الترخيص له بالتصرف في الوديعة من دون مراجعة الورثة مع إرادة اختصاصه بصورة اقتضاء ذلك ضرورةُ عدم ضياع حق الميت أو الاطمئنان بعدم ضياعه، حتى لو كانت هذه الصورة تشكل خارجاً نسبة كبيرة من موارد القضية المسؤول عنها.
والوجه في ذلك: أن بريداً لم يسأل عن قضية كلية افتراضية، بل سأل عما كان محل ابتلائه من وديعة مات صاحبها وعليه حجة الإسلام وله ولْد فقراء [١] هل تكون إرثاً لهم أو يجب إخراج الحج منها؟
فجواب الإمام ٧ كان من قبيل الإفتاء لا التعليم، وفي مثله لا يصح الاعتماد على القرينة المنفصلة في بيان محدودية الحكم الترخيصي، ما لم تكن هناك خصوصية تقتضي إخفاء محدوديته من تقية أو نحوها، لأنه يؤدي ولو احتمالاً إلى إيقاع المكلف في ما هو خلاف وظيفته الشرعية.
وبعبارة أخرى: إنه يصح أن يُذكر الحكم الترخيصي بصورة العموم مع إرادة الخصوص إذا كان المتكلم في مقام التعليم وضرب القاعدة الكلية، معتمداً في تخصيصه على دليل منفصل، فإن هذا من الجمع العقلائي المقبول.
وأما إذا كان المتكلم في مقام بيان الوظيفة العملية للسائل الذي رجع إليه ــ بصفته مفتياً ــ لحلّ مشكلته القائمة بالفعل، فلا سبيل فيه إلى ذلك إلا لضرب من التقية ونحوها مما يضطر معه المفتي إلى كتمان الاستثناء.
وعلى ذلك فإطلاق الإمام ٧ في مقام الجواب الترخيص لبريد في
[١] هذا هو مقتضى ظاهر لفظ السؤال، فإنه قال: (سألته عن رجل استودعني مالاً) ولم يقل: (سألته عما لو استودعني رجل مالاً) أو (سألته عن رجل استودع آخر مالاً) ونحو ذلك مما ليس ظاهراً في كون الوصية شخصية. وأما دعوى أن المتعارف لدى السائلين صياغة أسئلتهم بصورة قضية جزئية مع أنها كلية افتراضية فلم تثبت صحتها، بل هي غير صحيحة، لاستلزام ذلك القول على خلاف الواقع، إلا مع إقامة قرينة على إرادة ذلك، وهي مفقودة في المقام. نعم عكس ذلك متداول ولا محذور فيه، كما لا يخفى.