بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢٥٨ - ما هي الوظيفة عند عدم البناء على تقديم أي من الحج والدين على الآخر؟
وعلى ذلك فمورد قصور التركة عن الوفاء بالحج والدين ليس من موارد التزاحم بين تكليفين من جهة قصور القدرة حتى على القول ببقاء مقدار الدين أو الحج على ملك الميت، بل يجري على هذا القول ما يأتي على القول الآخر.
وأما على القول الثاني ــ أي انتقال التركة بتمامها إلى الورثة متعلقة لحق الحج أو الدين ــ فقد ظهر مما تقدم أنه لا يتصور بناءً عليه اندراج المقام في باب التزاحم بين تكليفين من حيث قصور القدرة عن الجمع بين امتثالهما، فإن الوارث يلزمه العمل بما يتحدد تعلقه بالتركة من حقّي الدين أو الحج، فلا يتوجه إليه تكليفان تقصر قدرته عن امتثالهما، بل تكليف واحد فقط كما مرَّ وجهه آنفاً.
ويمكن أن يقال: إن المورد يندرج في باب التزاحم من غير جهة قصور القدرة، شبيه ما مرَّ في مثال الزكاة ــ أي تزاحم خطابين وضعيين على موضوع واحد ــ فإن مقتضى ما دلَّ على وجوب إخراج الدين من أصل التركة هو أن من مات وعليه دين وترك مالاً يكون حق الديّان متعلقاً بماله وإن انتقل المال إلى الورثة، كما أن مقتضى ما دلَّ على وجوب إخراج حجة الإسلام من أصل التركة هو أن من مات وعليه حجة الإسلام وترك مالاً يفي بنفقتها يتعلق حق الحج بذلك المال وإن انتقل إلى وارثه، ولكن اتفق في ما تركه هذا الميت عدم استيعابه لكلا الحقين، ولا علم لنا بكون ثبوت أحد الحقّين مقيداً بغير هذا المورد ليندرج عندئذٍ في باب التعارض لثبوت عدم إرادة أحد الإطلاقين لدليلهما، بل المعلوم هو مجرد عدم فعلية كلا الحقين، فيدور الأمر بين أن تعتبر تركة الميت المذكور لحق الحج وبين أن تعتبر لحق الديّان، فإن اعتبرت لحق الحج أصبح هذا الحكم الوضعي فعلياً ولا يبقى مجال لفعلية الحكم الوضعي الآخر وهو تعلق حق الديّان بالتركة، لأنه لا موضوع له فإن موضوعه هو ما يتركه الميت والمفروض أنه منح للحكم الأول، فالحكم الثاني منتفٍ بانتفاء موضوعه خارجاً، وإن كان الأمر بالعكس فالحكم بتعلق حق الحج بالتركة لا يصبح فعلياً.
إذاً لا تنافي بين الحكمين الوضعيين في مرحلة الإنشاء وإنما لا يصلان معاً