بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١٢ - ما يدل على اعتبار المباشرة في وجوب الحج على المستطيع
أن هذا مورد قاعدة الاشتغال ــ الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية ــ وأما البراءة فإنما يُرجع إليها فيما إذا لم يكن ما يحتمل شرطيته في التكليف متحققاً في البداية، ففي مثل ذلك يرجع الشك في شرطيته إلى الشك في أصل توجه التكليف، فتجري أصالة البراءة. وأما مع تحقق ما يحتمل شرطيته ابتداءً فالتكليف الفعلي محرز، فلا بد من الخروج عن عهدته بمقتضى قاعدة الاشتغال.
ولكن ما أفاده (رضوان الله عليه) غير واضح، فإن مورد قاعدة الاشتغال ما إذا كان التكليف معلوماً بحدوده، سواء ما يتعلق بحدود المتعلق أو ما يتعلق بحدود الموضوع. وأما مع الشك في حدود المتعلق كما في موارد الأقل والأكثر، أو في حدود الموضوع كما في المقام ــ فإن قيود الهيئة ترجع إلى الموضوع، فإذا شك في كون أمر قيداً للهيئة فهو شك في حدود الموضوع ــ فالمورد مجرى لأصالة البراءة.
وبعبارة أخرى: إذا كان الشك يرتبط بمقام الجعل فهو مورد للبراءة، وأما مع وضوح ما يتعلق بالجعل وعدم الإبهام فيه وكون الشك في مقام الامتثال محضاً فهو مجرى لقاعدة الاشتغال.
والمقام من قبيل الأول، فإن الشك إنما هو في كون الحكم مشروطاً في مرحلة الجعل بعدم إتيان الغير بالفعل أو لا، فهو مورد للبراءة.
وتوضيح الحال: أنه لا قصور في أدلة البراءة عن الشمول لأمثال المقام مما يكون الشك في مقام الامتثال ناتجاً عن الشك في سعة الجعل وضيقه، حتى في مورد اليقين بتحقق موضوع الحكم ابتداءً والشك في انتفائه لاحقاً من جهة الشك في تقييد الوجوب بعدم قيام الغير بالفعل. لأن كل ما يتعلق بمقام الجعل هو من حدود اختيار الشارع، بخلاف ما يتعلق بمرحلة الامتثال محضاً، فإن الحاكم فيها بالاستقلال هو العقل، ويمتنع تدخل الشارع فيها بما هو شارع.
فإذا كان الشك في ما يتعلق بمرحلة الجعل من تقييد زائد ونحوه فلا مانع من التمسك بدليل البراءة، فإن المناط في جريانها ــ وحسب التعبير المنقول عن