بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٣٨ - المسألة ٧١ إذا حج المخالف ثم استبصر لم يجب عليه إعادة الحج
وقد ظهر مما ذكر أن العامل المشترك للاختلاف في جميع الموارد الثلاثة هو رعاية مقتضيات مصلحة النشر والكتمان، ويبدو أنه كان محط نظر الإمام ٧ في رواية الكناني، حيث خاطبه ٧ بقوله: ((يا أبا عمرو أبى الله إلا أن يعبد سراً، والله لئن فعلتم ذلك إنه خير لي ولكم، وأبى الله عزّ وجل لي ولكم في دينه إلا التقية)).
فالنتيجة أن هذه الرواية بالرغم من اعتبارها سنداً لا تصلح دليلاً على الترجيح بالأحدثية في ما يتعلق بوظيفة الفقيه تجاه الأخبار المتعارضة، ولا سيما إذا كان في عصر مـتأخر عن عصر الأئمة : الذين رويت عنهم تلك الأخبار.
الرواية الثانية: صحيحة محمد بن مسلم [١] عن أبي عبد الله ٧ قال: قلت له: ما بال أقوام يروون عن فلان وفلان عن رسول الله ٦ ، لا يتّهمون بالكذب، فيجيء منكم خلافه؟ قال: ((إن الحديث يُنسخ كما ينسخ القرآن)).
ووجه الاستدلال بهذه الصحيحة على الترجيح بالأحدثية هو أن مفادها أن الأحدث من الخبرين المتعارضين يكون ناسخاً للمتقدم منهما، ومقتضى ذلك هو كون الاعتبار دائماً بالحديث الثاني، وهذا هو المطلوب.
هكذا أفاد بعض الأعلام، وأضاف في توضيح مدعاه ما حاصله [٢] : (أنه ربما يقال: إن مورد السؤال في الصحيحة هو الخبران مقطوعا الصدور، أي ما يقطع بصدوره من النبي ٦ والإمام ٧ ، فلا يشمل ما هو محل الكلام من تعارض النصوص الظنية الصدور ــ إلى أن قال ــ إلا أن الميزان الكلي هو الأخذ بإطلاق الجواب لا بخصوص السؤال، والجواب في الحديث مطلق شامل لكون كلا الخبرين من النبي الأكرم ٦ ، أو كليهما من غيره، أو يكون أحدهما عن النبي ٦ والآخر عن الإمام ٧ .
وعلـى جـمـيـع الـتـقـاديـر يـكـون كـلاهـما مقطوعي الصدور أو مـظـنـونـي
[١] الكافي ج:١ ص:٦٤.
[٢] لاحظ آراؤنا في أصول الفقه ج:٣ ص:٢٢٧، ويظهر منه أنه لم يعتمد دليلاً آخر على الترجيح بالأحدثية إلا صحيحة محمد بن مسلم المذكورة.