بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٠ - ج دلالتهما على وجوب الاستنابة على العاجز الذي لم يستقر عليه الحج والمناقشة فيه
على خصوص من لم يستقر عليه وجوب الحج، فيبتني على كون هذا هو مورد تلك الواقعة المحكية فيهما.
وتقريبه: أن استقرار وجوب الحج على المكلف بتوفر شروط الوجوب كلها، وتنجزه في حقه، ثم تمرده على الله سبحانه وتعالى في ركن من أركان الإسلام لسنوات طويلة ومتتالية، وعدم أدائه للحج إلى أن يكبر ويصبح شيخاً لا يطيق الحج، ليس أمراً يكثر وقوعه، بل هو قليل، بل نادر.
وتوضيح الحال: أن من لا يتمكن من أداء الحج بنفسه قد يكون ذلك لمرض أو منع سلطان ونحوهما، وهذا يكون على قسمين يكثر وقوعهما، فقد يكون العجز عن المباشرة بعد استقرار الحج، كمن تمكن مالياً وبدنياً في عام ولكنه سوَّف ثم أصابه مرض أو عوق يحول بينه وبين أداء الحج. وقد يكون العجز قبل استقرار وجوب الحج، كمن كان مريضاً أو معاقاً من أول عمره أو عرض له ذلك قبل أن يصبح متمكناً من نفقة الحج.
فالمانع عن المباشرة إذا كان من قبيل المرض أو العوق أو منع السلطان ونحو ذلك فهو يحصل خارجاً لمن استقر عليه وجوب الحج ومن لم يستقر على حد سواء. وأما إذا كان المانع من قبيل الضعف الناجم عن بلوغ مرحلة متقدمة في الشيخوخة فهذا ما لا يكون عادة إلا بالنسبة إلى من لم يستقر عليه وجوب الحج، كأن حصل على المال الوافي بنفقة الحج في أواخر عمره. وأما من يستقر عليه الوجوب بالتسويف في أدائه فما يمنعه من أداء الحج في الغالب إما من قبيل حلول الأجل أو التعرض لمرض مفاجئ أو عوق دائم دون ضعف الشيخوخة.
والوجه في ذلك: أن التسويف في أداء الحج من أصحاب المال والمكنة وإن كان أمراً متعارفاً يكثر وقوعه، وقد وردت الروايات الكثيرة في التحذير منه. ولكن المتعارف أن أصحاب الأموال يسّوفون في أداء الحج مع امتداد العمر بهم إلى أوائل الشيخوخة، حيث يبدأ الضعف يدب في أجسامهم، فيفكرون عندئذٍ في تفريغ ذمتهم من الحج، ويسعون إلى أداء هذه الفريضة قبل أن يعجزوا عنه بالمرة.