بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١٥٩ - التفصيل في مفروض المسألة بين من استقر عليه الحج ومن لم يستقر
الاختياري تعييناً، ويؤمر بالفرد الاضطراري على تقدير عصيان الأمر بالاختياري ــ كما مرَّ نظيره سابقاً وسيأتي أيضاً ــ.
فظهر بما تقدم أن الفرض الثالث المذكور وهو التخيير بين الأقل والأكثر غير تام. هذا في ما يخص الوجه الأول من الاعتراض على الاستدلال المذكور.
وأما الوجه الثاني المبتني على إضافة نحو رابعٍ خالٍ من الإشكال، فهو أنه يمكن أن يوجه أمر بالجامع بين الفرد الاضطراري والاختياري، وأمر آخر بخصوص الفرد الاختياري، ويمتثل الأمر بالجامع إما بالإتيان بالفرد الاضطراري في حال العذر، أو بالصبر إلى حين زوال العذر والإتيان بالفرد الاختياري، فإذا اختار المكلف الطريقة الثانية يكون ممتثلاً للأمر الأول وللأمر الثاني أيضاً.
وأما إذا اختار الطريقة الأولى أي أتى بالفرد الاضطراري، فلا بد أن يأتي بالفرد الاختياري لاحقاً امتثالاً لأمره، لأنه بإتيانه بالفرد الاضطراري يكون قد امتثل الأمر بالجامع، وأما الأمر بخصوص الفرد الاختياري فلم يمتثله، فلا محيص من أن يأتي بالفرد الاختياري امتثالاً لأمره.
ونتيجة ذلك عدم إجزاء الفرد الاضطراري عن الفرد الاختياري مع ثبوت كلا الوجوبين واقعاً، وهذا الوجه قد تبناه بعض الأعلام (رضوان الله عليه) في بحوثه [١] .
ولكن يمكن أن يناقش فيه من جهتين ..
الأولى: أنه يستلزم تعدد العقوبة بالنسبة إلى من كان معذوراً ثم زال عذره، ومع ذلك لم يأت لا بالفرد الاضطراري ولا بالاختياري، لأنه عندئذٍ يكون عاصياً لكلا التكليفين ــ الأمر بالجامع والأمر بالفرد الاختياري ــ. وكذلك من لم يكن له عذر في شيء من الوقت ولم يأت بالفرد الاختياري أيضاً يستحق عقوبتين، لمخالفته كلا التكليفين [٢] .
[١] بحوث في علم الأصول ج:٢ ص:١٤٢.
[٢] هذا وفق ما يترآءى من ظاهر كلامه (قدس سره) من توجه الأمرين إلى طبيعي المكلف، ولذلك قال: (أن الأمر بالاختياري لايصير فعلياً في حق من يستوعب عذره تمام الوقت) ولم يقل أنه لا يتوجه إليه أصلاً، فإن مقتضى ذلك توجه التكليف بالجامع إلى من لا عذر له أبداً وصيرورته فعلياً في حقه كالأمر الاختياري، إذ لا مانع من ذلك.
ولكن يحتمل أن يكون مقصوده (قدس سره) أن موضوع الأمر بالجامع هو من له عذر، الأعم مما كان مستوعباً وغيره، وموضوع الأمر بالاختياري هو المتمكن من أدائه وإن كان معذوراً في بعض الوقت. وعلى ذلك فلا تتعدد العقوبة في صورة العصيان إلا في حق من كان معذوراً في بعض الوقت غير معذور في الباقي.
ولكن يمكن أن يقال: إن توجيه الخطاب بالجامع إلى من له عذر مستوعب أو غير مستوعب ليس بمستساغ عرفاً بخلاف توجيهه إلى طبيعي المكلف، فتدبر.