بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١٥ - ما يدل على اعتبار المباشرة في وجوب الحج على المستطيع
التكليف هو الأعم من فعل النفس وفعل الغير في مقابل أن يكون هو فعل النفس خاصة. وإذا كان المتعلق أعم من فعل الغير، وأتى الغير به، يسقط التكليف عندئذٍ بالامتثال. وأما في النحوين الأولين فلم يكن الشك في حدود المتعلق، بل كان يحتمل انتفاء موضوع التكليف بفعل الغير في النحو الأول، ويحتمل كون الوجوب مقيداً بعدم إتيان الغير بذلك الفعل في النحو الثاني، فلا يكون عدم التكليف بعد صدور الفعل من الغير من جهة تحقق الامتثال به بل لانتفاء موضوعه أو شرطه.
وقد يقال كما عن السيد الأستاذ (رضوان الله عليه) [١] : (إن هذا النحو غير معقول في حد ذاته، وذلك لأن فعل الغير خارج عن اختيار المكلف وإرادته، فلا يعقل تعلق التكليف بالجامع بينه وبين فعل نفسه).
ونوقش من قبل غير واحد ..
أولاً: بأن فعل الغير الصادر منه بإرادته واختياره قد يكون مقدوراً للمكلف وقد لا يكون كذلك، فإذا كان بإمكانه ترغيبه في الإتيان به وحثّه على ذلك بحيث يؤدي إلى قيامه به ــ ولو ببذل المال أو غير ذلك ــ كما في كثير من الموارد، فهو يعدّ مقدوراً له، فلا مانع من أن يكون متعلقاً للتكليف المتوجه إليه.
وبعبارة أخرى: قد يكون الشخص قادراً على التسبيب في صدور الفعل من الغير فيكون مقدوراً له بالواسطة، ولا يصح القول بأنه غير مقدور له لمجرد توسط إرادة الغير في البين، بل قدرته على التسبيب في صدور الفعل من الغير تكفي في عدِّ فعل ذلك الغير مقدوراً له.
وثانياً: إن المقرّر في محله ــ كما اختاره (رضوان الله عليه) ــ أن الجامع بين المقدور وغير المقدور مقدور فلا مانع من جعله متعلقاً للتكليف، إذ لا يعتبر في متعلق التكليف أن يكون مقدوراً بجميع أفراده بل يكفي أن يكون مقدوراً ببعضها. فلو سلّم أن فعل الغير غير مقدور مطلقاً لما منع ذلك من جعل الجامع بينه وبين فعل المكلف نفسه متعلقاً للتكليف.
[١] محاضرات في أصول الفقه ج:٢ ص:١٤٠ (بتصرف).