شيعة العراق وبناء الوطن - مالك، محمد جواد - الصفحة ٧٣٩ - الإنكليز يفتحون جبهة المعركةالثقافية
ومن المعلوم أن تجريد المجتمع المسلم من قيمه الإسلامية، يعني ذلك تحويله إلى قطيع من الكائنات الحيّة، اللاهثة وراء علفها لإشباع غرائزها الحيوانية. فدفعاً لهذه المؤامرة الكبرى ضد الأمة الإسلامية، سعى العلماء وبنشاط مكثف لترسيخ قواعد الإسلام والإيمان عبر ثورتهم الثقافية في تلك المرحلة. ويمكن اعتبار هذا العمل هو الأساس الذي سيتولد منه التيار الحركي الإسلامي الذي سيهيئ الأمة لخوض المعارك السياسية والجهادية في المستقبل ضد أعداء الإسلام والمسلمين، لأن الأسس العقدية الصلبة حينما تتوافر في الأمة، فإنها ستتمكن من تحمل أعباء المسيرة، وآجتياز العقبات الصعبة في الطرق الشائكة، وبذلك ستطرد روح الانهزامية والمصلحية والازدواجية من واقع الشخصية العراقية. تلك معاناة المصلحين المبدئيين ومن هنا «أدرك السيد أبو الحسن الاصفهاني [المرجع الأعلى] هذه الحقيقة المؤلمة، ولـمّا عاد من إيران توصل إلى قناعة ثابتة بعمالة النظام، وبضعف القاعدة الدينية فآجتنب الخوض في الألاعيب السياسية اليومية، وراح يعمل بجدٍ وقوةٍ على إرسال العلماء والمشايخ إلى القرى والأرياف، وخصوصاً النائية، يعرّفها الإسلام ويربّيها على الحرية، ويوثّق علاقاته التنظيمية والسياسية المرجعية معها، ويدّخرها لساعة الثورة»([١٤٤١]).
ولقد سار أغلب العلماء على هذا المنهج التربوي والإصلاحي في حركةٍ توعويّة مدروسة، وكانت قد تبلورت أسس هذه الحركة الثقافية لدى العلماء وهم في المنفى، «وكأنهم حينما كانوا في المنفى قد خيّروا أنفسهم بينأمرين:
الأول: الابتعاد عن مركز المرجعية [الشيعيّة أي النجف الأشرف] مع الأضرار الكبيرة التي سوفتصيبها.
الثاني: الرجوع إلى المركز وإكمال المشوار، على أن يبتعدوا عن السياسة في كلتا
[١٤٤١] الكاتب، أحمد: مرجع سابق،ص١٠١.