شيعة العراق وبناء الوطن - مالك، محمد جواد - الصفحة ٧٣٥ - الإنكليز يفتحون جبهة المعركةالثقافية
التساؤل، ونضيف أيضاً: إن مسألة إعلان المعارضة السياسية أو المقاومة الجهادية تخضع لشرائط شرعية ترعى مصالح العباد والبلاد. فمن باب الضرورة المرحلية توجّه العلماء إلى ترسيخ العمل الثقافي والتربوي من خلال تقوية الحوزة الدراسية والتبلغية، وتشجيع النشاطات الإسلامية وتأسيس الهيئات التربوية وإقامة الشعائر الدينية في أوساط الأمة. لغرض إعداد المؤمنين والمجاهدين الواعين ليحملوا أهداف الأمة في التحرر ونيل الاستقلال، ولكي يثبتوا أمام العواصف الفكرية واغراءات الوجاهة والسلطة. فالمسألة - فعلاً - في إطار تغيير الأسلوب في مواجهة التحديات. فالبناء الإيماني للقلوب هو المطلوب خصوصاً في ظروف الإكراه. يقول سبحانه:
(إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) ([١٤٣٤]).
فالأمة - آنذاك - عاشت المعركة الثقافية من عدة جبهات، حيث شجع الإنكليز تلك التيارات الفكرية والسياسية غير الإسلامية أن تغزو الساحة العراقية، «فوقع الجيل المثقف فريسة تلك التيارات حتى أخذت الأمة تنبهر عندما ترى مثقفاً يصلي أو يلتزم بأحكام الإسلام»([١٤٣٥]). وهكذا «أدت هذه السياسة إلى تفتيت البنية الاجتماعية والسياسية، إضافة لذلك فإن إنزواء العلماء والتزامهم الصمت والانكفاء، أعقبه بروز تيار في المراكز العلمية بالنجف وكربلاء وسامراء والكاظمية، يقف بوجه تدخل العلماء في السياسة خوفاً على الحوزة العلمية من الضياع»([١٤٣٦]). وعليه أصبح همّ العلماء، المحافظة على المراكز العلمية الفقهية، لكي تؤدي رسالتها الدينية والإصلاحية العامة، بعيدة عن الصراع السياسي، وذلك لتتمسك الأمة بمصدر عزّتها، أي بهويتها الإسلامية وقيمها الإنسانية، وفي الوقت ذاته تتصدى لمشاريع الغزو الثقافي للعراق عبر الإرساليات
[١٤٣٤] سورة النحل، ١٦/١٠٦.
[١٤٣٥] السراج، عدنان إبراهيم، الإمام محسن الحكيم، مرجع سابق،ص١٨٧.
[١٤٣٦] المرجع ذاته، ص٨، من مقدمةالمؤلف.