شيعة العراق وبناء الوطن - مالك، محمد جواد - الصفحة ٧٢٩ - التوجه الثقافي، خيار العلماءالإسلاميين
وفي الحقيقة إن هذه السلوكية العامة بحد ذاتها تشير إلى حاجة الأمة إلى وعي إسلامي مكثف، يزيل عوامل التخلف والتردد والخوف من مواجهة الظالمين ويطرد الضعف أمام اغراءات مادية ووعود مصلحية، وذلك لكي تنطلق الأمة في مسيرتها البنائية بثقة وثبات، وكذلك لتتمكن الأمة من طرد الثقافة الدخيلة التي بدأت تفتح ثغراتها داخل الساحة، وهذا بالضبط ما يفسر التوجهات الثقافية والإصلاحية للمرجع الأعلى السيد الاصفهاني([١٤٢٧]) في تلك المرحلة ومابعدها.
ولكن، مهما حملت هذه التوجهات من تبريرات ومسوّغات تمنح للعلماء الكرام الحق في اتخاذ هذا القرار إلا أن موافقتهم على تلك التعهدات المشروطة عمّقت فكرة الابتعاد عن العمل السياسي والإداري للأمة. - على أقل تقدير([١٤٢٨]) - فضلاً على الآثار السلبية التي تركت بصماتها على الساحة العراقية، فأمام انكماش الحالة الحركية
[١٤٢٧] الإمام السيد أبو الحسن الموسوي الاصفهاني، هو ابن السيد محمد بن السيد عبد الحميد، ولد سنة ١٢٨٤هـ في قرية من قرى أصفهان وتوفي في ٩ ذي الحجة ١٣٦٥هـ، الثالث من تشرين الثاني ١٩٦٤م - في الكاظمـية عـن ٨١ سنـة. قـرأ المبـادئ فـي أصفهـان ثـم رحــل إلى النجف لمواصلـة دراساته العليا. اختص بالمرجع الشيخ كاظم الآخوند الخراساني. وبعد وفاته ١٣٢٩هـ أصبح أستاذاً متميزاً في الأصول خاصة. وأصبح عَلَماً من أعلام الدين ومن ثم انحصرت الزعامة الدينية به وبمعاصرهِ الميرزا حسين النائيني. أُبعد مع زميله النائيني وكثير من العلماء من قبل الحكومة العراقية الإنكليزية إلى إيران لقيادتهم الشعب في معارضته الوطنية، قاد الثورة الثقافية في العراق بعد إنتهاء ثورة العشرين، وعودته مع رفاقه العلماء من إيران إلى النجف، تلك العودة المشروطة بعدم التدخل في شؤون السياسة العراقية. راجع الأمين، السيد محسن: المرجع السابق، المجلد الخامس، ص٣٣١-٣٣٥.
[١٤٢٨] كانت تتردد في أجواء الدراسة الدينية في النجف الأشرف - في منتصف السبعينيات - كلمة تعجب بعض الأساتذة والطلبة، وهي تحمل دلالات معبرة عن خلفية تاريخية ومعاناة معينة من تلك المرحلة، وهي: «لا تدخلوا السياسة فإنها نجاسة»، وأتذكر إن أحد أساتذتنا المرحومين كان يردّدها على سبيل المزاح. ومن الطبيعي إن هذه العبارة لا ترفع المسؤوليـة الشرعيـة عـن كاهـل المؤمنيـن على كافة المستويات، ومنها المستوى السياسي النزيه.