شيعة العراق وبناء الوطن - مالك، محمد جواد - الصفحة ٦٢ - ٢ تطور السياسية العثمانية - داخلياً وخارجياً - (نظرةعامة)
منها النور الجديد»([٤٨]). وبالفعل بدأ السلطان بتنفيذ قرار مد خط حديدي إلى مكة المكرمة في عام ١٩٠٨م، كجزء من خطة الجامعة الإسلامية لمساعدة آلاف المسلمين على أداء فريضة الحج، وكذلك لتيسير عملية التنقل للدعاة والمبشرين المسلمين إلى هذه المسافات البعيدة، وقد نهض بالمشروع في حماسة بالغة، وحشّد له كل ما استطاع من جهد مادي وبشري حتى تم إنجازه بسرعة خارقة، وبدون أي عون من أوروبا. وقد أشار تقرير السفير البريطاني لدى الباب العالي سنة ١٩٠٧م، ١٣٢٥هـ، إلى هذا الخطر بقوله: «يمكننا أن نقرر، أن أهم حوادث السنوات العشر الأخيرة على الأقل (١٨٩٧-١٩٠٧م / ١٣١٥-١٣٢٥هـ) خطة السلطان الباهرة التي استطاع أن يظهر بها أمام ٣٠٠ مليون مسلماً في ثوب الخليفة الذي هو الرئيس الروحي في الدين الإسلامي، وإن يقم لهم البرهان على قوة شعوره الديني وغيرته الدينية ببناء سكة حديد الحجاز، ونتيجة لهذه السياسة فقد أصبح حائزاً على خضوع رعاياه له خضوعاً أعمى»([٤٩]).
وهكذا نتلمس - من خلال هذه النظرة العامة - محاولات إصلاحية، بذلها المصلحون العثمانيون على المستوى الإداري والسياسي، لغرض تطوير أوضاع الدولة العثمانية، إلاّ أن الأزمات الاقتصادية والسياسية التي حلت بالدولة ما كانت تنفعها تلك الإصلاحات المتأخرة، وإن نجحت - نسبياً - على المستوى العاطفي العام، ولكن بالمقابل رافقتها عملية النمو السريع في الحركة الدستورية التي أخذت تسيطر على القرار السياسي للدولة وقد بانَ ضعفها. كل ذلك حال دون التوفيق لمواصلة مسيرة الإصلاح الداخلي. وحينما استلمت جمعية الاتحاد والترقي زمام الحكم بثورتها عام (١٩٠٨م -١٣٢٦هـ)، نفّذت مآرب الاستعمار ضد الدولة العثمانية، وكافة المسلمين، مستفيدين من الأجواء المتخلفة التي كانت سائدة في الأمة بشكل عام - آنذاك-.
[٤٨] الجندي، أنور: المرجع السابق، ص٩٩،١٠١.
[٤٩] الجندي، أنور: المرجع نفسه،ص١٠٢.