شيعة العراق وبناء الوطن - مالك، محمد جواد - الصفحة ٧٣٤ - الإنكليز يفتحون جبهة المعركةالثقافية
المستوى الثقافي لجماهير الشعب، وعدم انتشار حركة التبليغ [الإسلامي] بينها»([١٤٣٢]). بالمستوى المطلوب، لذلك اضطر الإسلاميون، وعلى رأسهم العلماء لخوض المعترك الثقافي العصيب، خوفاً من محاولات تمييع الهوية الإسلامية لدى الشعب، من خلال تشويه معالم الإسلام، وتضعيف القيم الأصيلة، وذلك تحت بريق التطور العلمي والتكنولوجي، إلى جانب إغراء الناس بتوزيع المناصب والمنح والعطايا والخدمات بشكلٍ معين. فأدرك الإسلاميون بوضوح أن المعركة الثقافية أخطر من المعركة العسكرية وأكثر إيلاماً للأمة. لأنها تستهدف هويتها وتهدّد وجودها، وإن الشرّ المستطير قادم من بريطانيا، فهي العدو الأكبر للشريعة الإسلامية والقيم الوطنيةالتحررية.
وبالرغم من نضوج هذا الوعي وتطوره، إلاّ أن تعهّدات العلماء العائدين للعراق بعدم التدخل في السياسة تركت أثرها في أوساط الإسلاميين، فقد «تعمق الرأي السائد - آنذاك - بعدم السماح لعلماء الدين بالتدخل في الشؤون السياسية، بل حتى الحديث للناس من على المنبر من قبل العلماء مستهجن مرفوض من قبل الحوزة، وأصبح العرف السائد هو أن يكون العالِم ساكناً لا يتدخل في الشؤون الاجتماعية، لا من قريب ولا من بعيد إلاّ في المسائل التي يفرضها وجوده كإنسان»([١٤٣٣])!!. وهنا أرى من المفيد توضيح الإجابة على تساؤل بفرض نفسه، وهو كيف نفسر موقف العلماء من تقديم تلك التعهدات من الناحية الشرعية؟ الحقيقة إننا قد أجبنا ضمناً على ذلك
[١٤٣٢] الزيدي، العقيد الركن أحمد: البناء المعنوي للقوات المسلحة العراقية، بيروت، دار الروضة ١٩٩٠م،ص٦٧.
[١٤٣٣] السراج، عدنان إبراهيم: الإمام محسن الحكيم ١٨٨٩-١٩٧٠م، بيروت ١٩٩٣م، ص١٨٧. والحوزة، هي بمثابة الجامعة الدينية التي تختص بدراسة الشريعة الإسلامية وفق المذهب الشيعي الامامي، إلى جانب دراسة آداب اللغة العربية، وتمتاز الحوزات الشيعية بالاستقلالية من الناحية الفكرية والمالية والسياسية، وتكون تحت نظر العلماء وإشراف المرجعية الدينية. للمزيد من المعلومات راجع كتابنا: الحوزات والجامعات تقويم ومقارنة، طبع بيروت دار البلاغ، ١٤١٤هـ - ١٩٩٤م.