شيعة العراق وبناء الوطن - مالك، محمد جواد - الصفحة ٦٧٢ - المعارضون والسلطة - التحدّيالمتبادل
المتواصل على مطلب الاستقلال التام، وما هذه الإجراءات والتنازلات البريطانية إلا وسيلة واضحة للهروب من مواجهة المعارضة، لذلك استمرت المعارضة في التصعيد ضد الوجود البريطاني والمطالبة بالاستقلال التام، بينما كان المؤمل أن تحدث هذه الإجراءات والتنازلات البريطانية حلحلة معينة في مواقف الإسلاميين، وتخّفف الاحتجاجات ضد الحكومة باعتبارها خَطَتْ خطوات عديدة نحو التراضي والمصالحة. وعلى العكس من ذلك، وقف الإسلاميون وعلى رأسهم العلماء موقفاً حازماً، رافضين تلك القرارات الترقيعية الصادرة من الحكومة والإدارة البريطانية، وكان رد الفعل على تقليص أمد المعاهدة «قوياً، حيث عملوا على توظيفه لتوسيع نطاق معارضتهم للمعاهدة وللانتخابات في آنٍ معاً»([١٣٠٥]).
ومع هذا الموقف الصلب، أتيحت فرصة للحكومة - على ضوء سياسة اللين - بفتح بعض الثغرات داخل الجدار الشعبي المتماسك خلف القيادة الدينية، لأن جهود الحكومة والملك وإدارة الاحتلال، انصبت نحو عزل القيادة الإسلامية عن القادة الثانويين والميدانيين في بغداد، وكذلك عن رؤساء العشائر في الفرات، ومن ثمّ إضعاف تأثير الفتاوى الإسلامية الصادرة من العلماء المراجع على الرأي العام. يقول الأستاذ النفيسي: «وقد أدرك الوطنيون [! خطورة العلماء وعمقهم العشائري]، فدأبوا على تحطيم قوة العلماء وسلطة شيوخ القبائل، كما أن الوطنيين[!] أدركوا في جلاء إنهم لن يستطيعوا الاحتفاظ بقوتهم وبمكانتهم. لهذا السبب كان المعتدلون الوطنيون[!] يرون إن خلاصهم الوحيد هو في بقاء الإنكليز في البلاد، لكي يساندوا هذه السياسة، سياسة القضاء على قوة العلماء والشيوخ ويعضدوها لمدةٍ من الزمن»([١٣٠٦]).
[١٣٠٥] الرهيمي، عبد الحليم: تاريخ الحركة الإسلامية في العراق، مرجع سابق،ص٢٦٥.
[١٣٠٦] النفيسي، عبد الله: دور الشيعة، مرجع سابق، ص١٩٨. وما أدري كيف ينعت النفيسي الذين يقفون إلى جانب الإنكليز ضد المعارضة الوطنية بقيادة علماء الدين بأنهم وطنيون!؟ ربما يقصد بالوطنيين هم رجال الحكومة الذين لا خيار لتثبيت سلطانهم إلاّ بالوقوف مع الإنكليز، لأنهم صنايع الإنكليز، يأتمرون بأوامرهم، فلذلك يعضدونهم لضرب العلماء في رأس المعارضة الإسلامية، وامتداداتهم في الأمة خصوصاًالعشائر.