شيعة العراق وبناء الوطن - مالك، محمد جواد - الصفحة ٥٩ - ٢ تطور السياسية العثمانية - داخلياً وخارجياً - (نظرةعامة)
على الدولة العثمانية واستغلال ثروات المسلمين، واستعمار بلدانهم وشعوبهم. وقد تم هذا الاجتماع بتجاوز الدولة العثمانية وكأنها غير معينة ببلادها!! فما دعيت للمشاركة في المذكرات والحوار، إنما أُبلغ الباب العالي بنتائج المؤتمر العلنية. وما كان من الباب العالي إلاّ أن يرد على لائحة لندن بما يتناسب مع عزة الإسلام والمسلمين، وقد أبلغ الرد إلى سفراء الدولة العثمانية في أوروبا، إلا أن المؤامرات والفتن كانت متسارعة كقطع الليل المظلم، تستهدف تمزيق وحدة المسلمين، فقد «كان سعي أوروبا الاستعمارية للإجهاز على هذه الدولة التي تحتفظ بذلك الرمز الذي أرق الغرب تاريخياً، ولا زال يؤرقه. وهو وحدة الشرق والغرب تحت أعلام الخلافة والإسلام، ولقد تظافر بروز هذين العاملين، الداخلي والخارجي، فزاد من ضعف العثمانيين حتى إذا الجدار الذي مثلوه أمام الغرب لعدة قرون مليئاً بالثغرات.. ولقد كانت الامتيازات الأجنبية التي منحها السلاطين العثمانيون (للدول الأوروبية)، واحدة من صور التسلّل الاستعماري إلى (مناطق المسلمين). و(بالنتيجة) تزايد النفوذ الاستعماري حتى أُجبرت الدولة العثمانية على التنازل عن العديد من ولاياتها، بعد أن تحول النفوذ الاستعماري فيها إلى احتلال سافر وغاشم، ففي فترة لم تتجاوز الأربعين عاماً، ومنذ اعتلاء السلطان عبد الحميد الثاني (١٨٤٢-١٩١٨م)، [١٢٥٨-١٣٣٦هـ] زمام السلطة في سنة (١٨٧٦-١٩٠٩م)، [١٢٩٣-١٣٢٧هـ] وحتى اندلاع الحرب العالمية الأولى ١٩١٤م [١٣٣٢هـ] أُجبرت الدولة العثمانية على أن تتنازل - رسمياً أو واقعياً - لروسيا القيصرية عن عدد من المقاطعات الغنية في آسيا الصغرى، ولبريطانيا عن قبرص ومصر - ومن قبل ذلك عن عدن-، ولفرنسا عن تونس والمغرب - ومن قبل ذلك الجزائر - ولإيطاليا عن ليبيا، وللنمسا عن البوسنة والهرسك..»([٤٣]).
وتستمر أطماع الدول الأوروبية وكأنها الوحوش الكاسرة تترقب فرص الضعف، لتنهش جسد الأمة بمخالبها وأنيابها ما استطاعت إلى ذلك من حيلة وقوة،
[٤٣] عمارة، د. محمد: المرجع السابق، ص١٤٦-١٤٧.