شيعة العراق وبناء الوطن - مالك، محمد جواد - الصفحة ٣٥٦ - حديثالتقويم
وما ضامَنا الأسرُ في موقفٍ *** أطعنا عليه الرسول الأمينا([٦٣٦])
والجمعية هي بمثابة تجمع حركي، منظّم، يقف في وجه سلطات الاحتلال هذا بالأصل، بينما الذي حدث على الأرض من التوسع والتنوع، يدفعنا للقول بأن هذا التجمع ليس حزباً منظماً كما يفهم اليوم، بل هو تنظيم تجريبي أقرب إلى أسلوب التعاون والمشاورة بين الوجهاء والمثقفين. لذلك نرى إن قيادة الجمعية، ما استطاعت أن تضبط تنظيمها بالقرارات المركزية، النازلة من القمة للقاعدة. ومن المعلوم إن هذا الانضباط أمام القرارات المركزية هو سرّ التماسك والاستمرار في النشاط، وخاصة في تلك الظروف الحسّاسة التي سبقت العواصف الهوجاء. والذي حدث أن التنظيم السري الخاص، تحوّل إلى تيار اجتماعي شعبي متحمّس، وبمعنى أدق غير منضبط أمام القيادة، ممّا أدى إلى ضعف، أو انعدام قوة القرار المركزي في توجيه الأوامر، وعليه «أن الظروف القاسية، واللامركزية في التنظيم، والتخطيط، أدّت بها إلى الفشل»([٦٣٧]).
ثمة التفاتة خطيرة أُخرى في مسار هذه الجمعية، لابد من الإشارة إليها، وهي إن القيادة المرجعية، وبالذات شخص المرجع الأعلى في النجف، لم يكن في صورة توجهات الجمعية، ولا الثورة - أيضاً - بالشكل الذي يتبنى تحركها، ويتحمّل نتائج أعمالها، بالرغم من وجود علماء أفاضل في قيادتها، إلا أنّ المرجعية العليا - كما هو معروف - غير مستعدة للمغامرة في خطّة لم تشترك في إعدادها، ولم تكن في موقع القيادة والتوجيه لها، ويبدو أن هذه المسألة لم تدرس دراسة وافية في قيادة التنظيم، لتتحدّد العلاقة المشروعة بين التنظيم والمرجعية العليا المتمثلة بالمرجع الفقيه([٦٣٨]). ممّا جعل
[٦٣٦] الأسدي، حسن: مصدر سابق، ص٣٤٩-٣٥١. الشيخ محمد جواد الجزائري أحد المؤسسين والقياديين للجمعية.
[٦٣٧] العمر، فاروق صالح، الأحزاب السياسية، مرجع سابق،ص٣٩.
[٦٣٨] من هنا يمكن أن نفرّق بين المجتهد المفتي، والمجتهد الحاكم، فالمجتهد المفتي هو الذي يرجع إليه في المسائل الشرعية للعبادات والمعاملات، التي تقع في إطار التقليد من قبل الناس لهذا المجتهد. بينما المجتهد الحاكم هو الذي يرجع إليه الناس في الأحكام الشرعية على المستوى الفردي الشخصي وكذلك على مستوى الأمة في الإدارة ورعاية النظام وقضايا الجهاد والثورة، وهكذا فهو مرجـع مبسوط اليد - كما يصطلح عليه - ولكلٍّ ظروفه الموضوعية التي تحدد مسؤولياته الشرعية ومساحتهالحركية.