موسوعة كربلاء - لبيب بيضون - الصفحة ٢٧٠ - ٣٠٩- خطبة زينب الكبرى
أتبكون و تنتحبون!. أي و الله فابكوا كثيرا، و اضحكوا قليلا، فلقد ذهبتم بعارها و شنارها [١]، و لن ترحضوها [٢] بغسل بعدها أبدا. و أنى ترحضون، قتل سليل خاتم النبوة و معدن الرسالة، و مدرّة [٣] حجّتكم و منار محجّتكم، و ملاذ خيرتكم، و مفزع نازلتكم، و سيد شباب أهل الجنة. ألا ساء ما تزرون.
فتعسا و نكسا و بعدا لكم و سحقا، فلقد خاب السعي، و تبّت الأيدي [٤]، و خسرت الصفقة، و بؤتم بغضب من الله و رسوله، و ضربت عليكم الذلة و المسكنة.
ويلكم يا أهل الكوفة، أتدرون أيّ كبد لرسول الله فريتم [٥]، و أيّ كريمة له أبرزتم، و أي دم له سفكتم، و أي حرمة له انتهكتم؟. لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا ٨٩ تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَ تَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) [مريم: ٨٩- ٩٠] و لقد أتيتم بها (صلعاء عنقاء [٦] سوداء فقماء) [٧] خرقاء شوهاء [٨]، كطلاع الأرض [٩] أو ملء السماء. أفعجبتم أن مطرت السماء دما! و لعذاب الآخرة أخزى، و هم لا ينصرون.
فلا يستخفّنكم المهل، فإنه (عزّ و جل) لا يحفزه [١٠] البدار، و لا يخاف فوت الثار، و إن ربكم لبالمرصاد.
فقال لها الإمام السجّاد (عليه السلام): اسكتي يا عمّة (ففي الباقي عن الماضي اعتبار) و أنت بحمد الله عالمة غير معلّمة، فهمة غير مفهّمة (إن البكاء و الحنين لا يردّان من قد أباده الدهر). فقطعت «العقيلة» الكلام، و أدهشت ذلك الجمع المغمور بالتمويهات و المطامع. و أحدث كلامها إيقاظا في الأفئدة و لفتة في البصائر، و أخذت خطبتها من القلوب مأخذا عظيما، و عرفوا عظيم الجناية، فلا يدرون ما يصنعون!
[١] الشّنار: العيب. و الضمير في (عارها و شنارها) راجع إلى الأمة أو الأزمنة.
[٢] ترحضوها: تغسلوها.
[٣] المدرّة (بالكسر): زعيم القوم و المتكلم عنهم، و الذي يرجون رأيه.
[٤] تبّت الأيدي: أي خسرت أو هلكت، و الأيدي: إما مجاز للأنفس أو بمعناها.
[٥] الفري: القطع.
[٦] الصلعاء: الداهية الشديدة، أو السّوءة الشنيعة البارزة المكشوفة. و العنقاء: الداهية
[٧] سوداء: قبيحة. و فقماء: عظيمة.
[٨] خرقاء: ليس فيها رفق. و شوهاء: قبيحة. و الضمير في (جئتم بها) راجع إلى الفعلة القبيحة التي أتوا بها.
[٩] كطلاع الأرض: أي كملء الأرض.
[١٠] لا يحفزه: لا يحثّه و لا يعجله.