موسوعة كربلاء - لبيب بيضون - الصفحة ٣٨٨ - ٤٧٧- في صومعة الراهب
ارتحلوا إلى طريق الحي، فأدركهم المساء عند (صومعة راهب) فنزلوا، و أسندوا الرأس إليها، فأنشأ زين العابدين (عليه السلام) يقول:
هو الزمان فما تفنى عجائبه * * * عن الكرام و لا تفنى مصائبه
فليت شعري إلى كم ذا تجاذبنا * * * صروفه و إلى كم ذا نجاذبه
يسيّرونا على الأقتاب عارية * * * و سائق العيس يحمى عنه غاربه
كأننا من سبايا الروم بينهم * * * أو كلّ ما قاله المختار كاذبه
كفرتم برسول اللّه ويلكم * * * يا أمة السوء قد ضاقت مذاهبه
قال أبو مخنف: فلما جنّ الليل دفعوا الرأس إلى جانب الصومعة. فلما عسعس الليل سمع الراهب دويّا كدويّ النحل، فعلم أنه تسبيح الملائكة، و استأنس من أنوار ساطعة. فأخرج الراهب رأسه من الصومعة، فنظر إلى رأس الحسين (عليه السلام) و إذا هو يسطع نورا إلى عنان السماء. و نظر إلى باب قد فتح من السماء و الملائكة ينزلون كتائبا كتائبا، و يقولون: السلام عليك يابن رسول اللّه، السلام عليك يا أبا عبد اللّه. فجزع الراهب جزعا شديدا.
فلما أصبحوا همّوا بالرحيل، فأشرف الراهب عليهم، و نادى: من هو عميدكم و المقدّم عليكم؟. فقالوا: خولي بن يزيد. فقال الراهب: و ما الّذي معكم؟.
قالوا: رأس خارجي خرج بأرض العراق، قتله عبيد اللّه بن زياد. فقال: ما اسمه؟.
قالوا: الحسين بن علي بن أبي طالب، و أمه فاطمة الزهراء، و جده محمّد المصطفى (صلى الله عليه و آله و سلم).
فقال الراهب: تبّا لكم و لما جئتم في طاعته. لقد صدقت الأخبار في قولها، أنه إذا قتل هذا الرجل تمطر السماء دما، و لا يكون هذا إلى بقتل نبي أو وصي نبي.
ثم إنه أدخل رأسه إلى الصومعة و خرّ مغشيا عليه. فلما أفاق قال: صدقت الأخبار، لأنهم قالوا: يقتل في هذا الوقت نبي أو ابن بنت نبي أو وصي.
ثم قال: أريد أن تدفعوا إليّ هذا الرأس ساعة واحدة و أردّه عليكم. فقال خولي:
ما كنت بالذي أكشفه إلا عند يزيد، و آخذ منه الجائزة. فقال الراهب: و كم جائزتك؟. فقال: بدرة [أي صرّة] فيها عشرة آلاف درهم. فقال الراهب: أنا أعطيك البدرة. فقال: أحضرها. فأحضرها الراهب و دفعها إليهم، فدفعوا له الرأس و هو على القناة.