موسوعة كربلاء - لبيب بيضون - الصفحة ٢٢٣ - ٢٢٢- قصة الجمّال اللعين الّذي حاول سرقة تكّة الحسين
الحسين (عليه السلام) و حجّ الناس من قابل، دخلت على علي بن الحسين (عليه السلام) فقلت له: يا مولاي، قد قرب الحج، فماذا تأمرني؟. فقال (عليه السلام): امض على نيّتك و حج. فحججت، فبينما أطوف بالكعبة، و إذا (أنا) برجل مقطوع اليدين، و وجهه كقطع الليل المظلم، و هو متعلق بأستار الكعبة، و يقول: اللّهم رب هذا البيت الحرام، اغفر لي و ما أحسبك أن تفعل، و لو تشفّع فيّ سكان سماواتك و أرضيك و جميع ما خلقت، لعظم جرمي.
قال سعيد: فشغلت و شغل الناس عن الطواف، حتى حفّ به الناس، و اجتمعنا عليه، فقلنا: يا ويلك! لو كنت إبليس ما ينبغي لك أن تيأس من رحمة اللّه، فمن أنت و ما ذنبك؟. فبكى و قال: يا قوم، أنا أعرف بنفسي و ذنبي و ما جنيت. فقلنا له:
تذكره لنا. فقال:
كنت جمّالا لأبي عبد اللّه الحسين (عليه السلام) لما خرج من المدينة إلى العراق.
و كنت أراه إذا أراد الوضوء للصلاة يضع سراويله عندي، فأرى تكّة تغشى الأبصار بحسن إشراقها، و كنت أتمناها أن تكون لي، حتى صرنا بكربلا و قتل الحسين (عليه السلام) و هي معه. فدفنت نفسي [أي اختبأت] في مكان من الأرض.
فلما جنّ الليل خرجت (من مكاني) فرأيت في تلك المعركة نورا لا ظلمة، و نهارا لا ليلا، و القتلى مطروحين على وجه الأرض (فذكرت لخبثي و شقاوتي التكّة، فقلت: و الله لأطلبنّ الحسين، و أرجو أن تكون التكة في سراويله، فآخذها). و لم أزل أنظر في وجوه القتلى حتى أتيت إلى الحسين (عليه السلام) فوجدته مكبوبا على وجهه، و هو جثة بلا رأس، و نوره مشرق، مرمّل بدمائه، و الرياح سافية عليه. فدنوت منه و ضربت بيدي إلى التكة (لآخذها)، فإذا هو قد عقد لها عقدا كثيرة، فلم أزل أحلّها حتى حللت عقدة منها.
فمدّ (عليه السلام) يده اليمنى و قبض على التكة، فلم أقدر على أخذ يده عنها (و لا أصل إليها) فدعتني نفسي الملعونة أن أقطع يده. فوجدت قطعة سيف مطروح، فأخذتها (و اتّكيت على يده) فلم أزل أحزّها حتى فصلت يده عن زنده، ثم نحّيتها عن التكة. و مددت يدي إلى التكة ثانيا لأحلّها، فمدّ يده اليسرى (فقبض عليها)، ففعلت بها ما فعلت باليمنى. ثم مددت يدي إلى التكة (لآخذها)، فإذا الأرض ترجف و السماء تهتزّ، و إذا ببكاء و نداء، و قائل يقول: وا ابناه، وا مقتولاه، وا ذبيحاه، وا حسيناه، وا غربتاه. يا بنيّ قتلوك و ما عرفوك، و من شرب الماء منعوك!.