بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٨٦ - الكلام في ما هو مقتضى القاعدة في مفروض المسألة
القول: إن مقتضى القاعدة أن أمر أداء الحج تمويلاً وتنفيذاً يكون بيد الورثة، فإن التركة ــ ومنها الوديعة ــ مال للورثة، أقصى الأمر تعلق الدين أو الحج بها، فهي كأي مال آخر يملكه المكلف ولكن متعلقاً لحق من الحقوق، فيلزمه أداؤه، أي أنه يكون هو المخول والمكلف بإخراج ذلك الحق، والودعي أجنبي عن الأمر بالمرة، وليس له إلا أن يسلَّم الوديعة إلى مالكها وهو الوارث.
وأما إذا بني على أن تركة الميت ــ المشغول ذمته بالحج أو الدين ــ إنما تنتقل إلى الورثة في ما عدا مقدار الحج أو الدين، وأما بمقدار أدائهما فيبقى على ملك الميت، فحينئذٍ إن كانت الوديعة بمقدار نفقة الحج أو الدين وليس للميت تركة غيرها فمقتضى القاعدة الأولية أن يكون أمر أداء الحج أو الدين بيد وليّ الميت، وهو الحاكم الشرعي لفرض عدم تعيين الوصي، وأما الورثة فلا دور لهم في الأمر، إذ ليست الوديعة ملكاً لهم ولا حق لهم فيها.
وأما إذا كانت الوديعة تزيد على نفقة الحج أو كان للميت تركة غيرها فمقتضى القاعدة الأولية كون أمر الحج تمويلاً وتنفيذاً مشتركاً بين الحاكم الشرعي والورثة، لفرض عدم تعين الوديعة في كونها ملكاً للميت، وعدم تعيين وصيٍّ عُهد إليه بأداء الحج أو إخراج الدين، فبطبيعة الحال يكون الأمر مشتركاً بين الورثة ــ لأن لهم الحق في تلك الوديعة ــ وبين الحاكم الشرعي لأنه وليُّ الميت وأمر ماله بيده، بعد فرض عدم وجود وصي.
هذا هو مقتضى القاعدة الأولية في الفرضين، ولكن لا بد من الخروج عن مقتضاها بموجب السيرة العملية القطعية القائمة على أن من يموت وعليه حجة الإسلام أو دين وليس له وصيّ يتصدى ورثته أنفسهم لإخراج كلفة الحج وقيمة الدين من تركته وأدائهما عنه، ولا يتعارف الرجوع إلى الحاكم الشرعي للاستئذان منه في ذلك.
فهذه السيرة الشرعية الجارية على هذا الأمر في كل عصر وزمان من غير نكير من المؤمنين الملتزمين دليل على كون ولاية إخراج نفقة الحج وقيمة الدين من التركة وأدائهما عن الميت تكون للورثة خاصة بلا حاجة إلى مراجعة الحاكم