بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٧٤ - رواية معاوية بن عمار وما يستفاد منها بصورها المختلفة
العتق مخالفاً لمصلحتها، إذ تبقى ذمتها مشغولة بالواجب، فهناك بعض المجال لتقديم الواجب على المستحب تعبداً.
وأما في مورد الوصية بالحج مع بعض المستحبات حيث يمكن تكميل نفقة الحج من الأصل، فلا موجب أصلاً لإعمال التعبد في كيفية صرف الثلث.
ومما يشهد على عدم كون الأمر تعبدياً قبول أبي حنيفة لما حكم به الإمام ٧ ، فإن من البعيد جداً أنه كان على أساس التسليم لحكمه ٧ فإنه لم يكن يسلّم له ٧ في ما يحكم به، وإلا لما خالفه في كثير من الفتاوى، بل في العمل بالقياس الذي هو أساس فقهه، مع أن الإمام ٧ كان له موقف واضح من القياس، وقد نبّهه على بطلانه وعدم جواز العمل به مراراً.
وبالجملة: من المستبعد جداً أن يكون التزام أبي حنيفة بكلام الإمام ٧ من جهة القبول التعبدي، بل الأنسب أنه لما سمع رأي الإمام ٧ التفت إلى النكتة التي يبتني عليها، وهي أن الحج لما كان فريضة من الله تعالى على المرأة الموصية فهي مقدمة عندها على غيره مع عدم وفاء الثلث بالجميع، فلا محلّ في مثله للتوزيع بالتساوي، ولذلك أبدى قبوله لفتوى الإمام ٧ .
نعم يمكن أن يقال: إنه قد مرَّ أن ظاهر ما حكي عن أبي حنيفة أنه اعتقد أن الحج الموصى به استحبابي، ولذلك أفتى بجعل جزء من المال الموصى به في تكميل نفقة حج شخص آخر نقصت نفقته، إذ لا معنى لذلك في الحج الواجب.
وإذا كان الأمر كذلك، فكيف أخذ بكلام الإمام ٧ المبني على كون الحج الموصى به حجاً واجباً حتى يقال: إن قبوله لكلام الإمام ٧ لم يكن مبنياً على التعبد بل التفاتاً إلى النكتة التي كان يبتني عليها كلامه ٧ .
ويمكن الجواب عنه بأن ما ذكر من فتوى أبي حنيفة بصرف جزء من المال في تكميل نفقة حج شخص آخر إنما حكي في الخبر الذي روي عن طريق زكريا المؤمن، ولا عبرة به سنداً كما مرَّ، وأما سائر الصور الحاكية لرواية معاوية بن عمار فلم يذكر فيها هذا المعنى، بل المذكور فيها جعل ثلث المال في الحج، ولا ينافي ذلك كونه حجة الإسلام إذ لعله أراد تكميل الباقي لنفقتها من الأصل.