بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٧٣ - رواية معاوية بن عمار وما يستفاد منها بصورها المختلفة
المقصود بقوله ٧ : ((فإن الحج فريضة)) هو أن الحج لما كان واجباً والبقية من المستحبات فإن صاحبة الوصية تريد تقديمه على غيره عند عدم وفاء الثلث بالجميع، فكأن هذا مقدمة مطوية في كلامه ٧ .
وبالجملة: إن التعبد في مورد الوصية بالثلث ــ أي الالتزام بتقديم بعض فقرات الوصية على البعض الآخر تعبداً من دون أن يقصد صاحب الثلث ذلك ــ أمر بعيد جداً، فإن المال ماله، وله أن يصرفه كيف ما يشاء. نعم ليس له صرفه في الحرام كنشر كتب الضلال، إلا أن الوصية بالصرف في المستحب مع اشتغال الذمة بالواجب ليس حراماً في حد ذاته، ولا يُعدّ ذلك من الوصية بغير المعروف [١] ، كما قد يتوهم. فإن ذلك ــ أي الوصية بغير المعروف ــ إنما هو في مورد التجاوز عن الثلث، كما يظهر بمراجعة نصوص المسألة. ولذلك لا ينبغي الريب في صحة وصية من كان بذمته صلاة فائتة ومع ذلك أوصى بصرف ثلث ماله في الخيرات والمستحبات، فإنه لا يحكم ببطلانها بل يلزم تنفيذها كما أراد.
والحاصل: أن التعبد في كيفية صرف الثلث بعيد، ولا سيما في مورد الرواية، فإن المفروض أنه لو لم يقدم الحج على غيره فلا بد من تكميل نفقته من الأصل، فلا يكون في ذلك ما يخالف مصلحة المرأة الموصية.
وهذا بخلاف ما إذا كانت قد أوصت بأداء صلواتها الفائتة وبالعتق عنها مثلاً، ففي مثل ذلك إذا لم يكفِ الثلث لهما يكون عدم تقديم الصلوات على
[١] في صحيحة زرارة قال: قلت لأبي جعفر ٧ : رجل لم يزكِ ماله فأخرج زكاته عند موته فأداها كان ذلك يجزي عنه؟ قال: ((نعم))، قلت: فإن أوصى بوصية من ثلثه ولم يكن زكّى أيجزي عنه من زكاته؟ قال: ((نعم، يحسب له زكاة ولا تكون له نافلة وعليه فريضة)). (الكافي ج:٣ ص:٥٤٧).
ويمكن أن يقال: إن قوله ٧ في الذيل ((ولا تكون له نافلة وعليه فريضة)) يدل على عدم نفوذ الوصية بإخراج المستحبات مع اشتغال الذمة بالواجبات.
ولكن يمكن أن يجاب عنه: بأن مفاد الرواية هو أنه لا يحسب له وصيته بالصدقة ونحوها نافلة مع اشتغال ذمته بالفريضة، بل يحسب له فريضة. فأقصى ما يستفاد منه أنه إذا أوصى بمستحب وعليه واجب من جنسه يحسب له ذلك الواجب لا المستحب، وأما إذا أوصي بمستحب كالصدقة وعليه واجب كالصلاة فلا يستفاد من الرواية بطلان الوصية في مثله، فتدبر.