بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢٧٠ - ما هي الوظيفة عند عدم البناء على تقديم أي من الحج والدين على الآخر؟
وأما القول بأن القاعدة إن تمت فإنما تتم فيما إذا كان كلا الحقين من حقوق الناس لا في مثل المقام حيث إن أحدهما وهو الحج من حقوق الله، فيرده بأن الحج وإن كان من حقوق الله من جهة إلا أنه من حقوق الميت من جهة أخرى فإن له الحق في تركته بتفريغ ذمته من الحج الواجب، أي كما أن لصاحب الدين حق في التركة بأن يؤدى دينه منها كذلك للميت حق فيها بأن تؤدى عنه حجة الإسلام منها، فكلاهما حق لآدمي وإن اختلفا من بعض الوجوه، والسيرة العقلائية ــ التي هي الأساس في قاعدة العدل والإنصاف كما تقدم ــ لا تفرق بين أنواع الحقوق المالية في ما ذكر، فتأمل.
المورد الثالث: الخسارة المالية التي تتوجه إلى أحد اثنين من غير تعيين، فإنه يلزم اختيار الأقل منها وتوزع عليهما بالنسبة.
مثلاً: إذا دخل رأس بقرة لشخص في جرة لشخص آخر ولم يمكن إخراجها إلا بكسرها أو ذبح البقرة، وفرض أن الفرق بين قيمة البقرة الحيّة والمذبوحة ألف دينار، والفرق بين الجرة المكسورة والسليمة تمام قيمتها وهي خمسمائة دينار مثلاً، فهنا يتعين كسر الجرة ــ ما لم يوافق صاحب البقرة على ذبحها ــ، وتوزع الخسارة بين الطرفين بالنسبة، أي يكون ثلث الخسارة على صاحب الجرة وثلثاه على صاحب البقرة، كما أوضح وجهه في بحث قاعدة لا ضرر.
هذه هي أهم موارد قاعدة العدل والإنصاف، وهي ــ كما تقدم ــ قاعدة عقلائية، ولها شواهد من الروايات، وليس هنا موضع البحث عنها وحشد الشواهد عليها والجواب عما قيل من مخالفة بعض الموارد لمقتضاها.
فتحصل مما ذكر أن مقتضى القاعدة في المقام بناءً على كونه من موارد التزاحم لا من جهة قصور القدرة هو التوزيع بالنسبة لا التخيير.
٣ ــ وأما بناءً على الاحتمال الثالث من اندراج المقام في باب التعارض والالتزام بتساقط الإطلاقين لعدم المرجح لأيّ من الدليلين فإن بني على إجراء أصالة البراءة في مثله فمقتضى القاعدة هو التخيير بين صرف التركة في أداء الحج