بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢٤٨ - الاستدلال بصحيحة بريد العجلي على تقدم الحج على الدين والمناقشة فيه
الوجه الثاني: ما أفاده بعض الأعلام (طاب ثراه) [١] ــ بزيادة تقريب ــ من أنه لم يفرض في الصحيحة قصور التركة عن الوفاء بالحج وبالدين على تقدير وجود الدين، ليدل على تقديم الحج على الدين عند المزاحمة، فإنه لم يذكر فيها سوى أن الفاضل على نفقة الحج يكون للورثة إن لم يكن على الميت دين، ومفهومه أنه لا يكون ما يفضل على نفقة الحج للورثة مع وجود الدين، وأما كون هذا الدين مستغرقاً للتركة حتى نفقة الحج فهذا ما لا تشير إليه العبارة المذكورة، ليستفاد منها تقديم الحج على الدين عند المزاحمة، بل يجوز أن يكون الفاضل بمقدار الدين فلا مزاحمة في البين بين الدين وبين الحج. و كذا إذا كان الدين أقل منه فعندئذٍ يكون جزء مما يفضل على نفقة الحج للدين وجزء منه للورثة.
وأما عدم تقييد ما ورد في المقطع الأول في قوله ٧ : ((جُعل جمله وزاده ونفقته وما معه في حجة الإسلام)) بما إذا لم يكن على الميت دين كما قُيّد جعل الفاضل للورثة فأقصى ما يقتضيه هو انعقاد الإطلاق لكلام الإمام ٧ من هذه الجهة، ويُرفع اليد عن هذا الإطلاق بقاعدة تقديم حق الناس على حق الله عند التزاحم، فإنه وإن كانت النسبة بينهما عموماً وخصوصاً من وجه إلا إنها تتقدم عليه بمناط الحكومة، كما هو الحال في كل قاعدة ثانوية كقاعدة (لا حرج) و(لا ضرر)، فإنه لا تلاحظ النسبة بين الدليل الحاكم والدليل المحكوم، بل الحاكم يتقدم على المحكوم وإن كانت النسبة بينهما عموماً من وجه كما حُرر في محله من علم الأصول.
ويمكن الجواب عنه: بأن مقتضى المقابلة بين جعل الجمل والنفقة والزاد وما مع الحاج في أداء الحج عنه وبين كون الزائد على نفقة الحج للورثة، وتقييد الحكم الثاني بما إذا لم يكن على الميت دين، هو كون الحكم الأول مطلقاً من هذه الجهة، بحيث لا يكون قابلاً لرفع اليد عنه بمقتضى قاعدة تقديم حق الناس على حق الله تعالى.
[١] التهذيب في مناسك العمرة والحج ج:١ ص:١٥٠.