بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١٩ - متى تجب الوصية بحجة الإسلام؟
الوصية أو الاستيثاق بالوجدان.
ومن هنا لو قامت البينة على بقاء التمكن من الوصية ــ مثلاً ــ مع التأخير فيها لا يستشكل أحد ــ حتى السيد الأستاذ (قدس سره) ــ في جواز التأخير عندئذٍ، كما لو كان مطمئناً بنفسه بأنه يبقى لبضعة أيام ويتمكن من الوصية لاحقاً.
إذاً يُعلم بذلك أنه لا ضير في إحراز التمكن من الوصية أو الاستيثاق في الزمان الثاني بالتعبد الشرعي، ولو كان العقل يحكم بلزوم إحراز فراغ الذمة بهذا العنوان ــ الذي ورد في كلام السيد الأستاذ (قدس سره) ــ لما كان يكفي قيام البينة على بقاء التمكن من الوصية أو الاستيثاق مع التأخير، فإن بقاء التمكن من أمر لا يستلزم وقوع ذلك الأمر ليقال إن البينة لما كانت من الأمارات فهي حجة في مثبتاتها بخلاف الاستصحاب الذي هو من الأصول فلا يثبت اللوازم العقلية للمستصحب.
وبالجملة جواز التأخير في الوصية ــ مثلاً ــ مع قيام البينة على استمرار التمكن منها دليل على أن حكم العقل في المقام ليس هو بصيغة لزوم إحراز فراغ الذمة بعد الموت كما ذكره السيد الأستاذ (قدس سره) بل مجرد إحراز المؤمّن من العقاب على تقدير حصول عائق عن القيام بالوصية لاحقاً، ويكفي في المؤمّن إحراز المكلف بقاء تمكنه من الوصية مثلاً حتى مع التأخير، وإحراز أنه سوف لا يتوانى ولا يحصل له تردد في القيام به كذلك.
وإذا كان الأمر الثاني محرزاً بالوجدان حيث يعلم من نفسه العزم على الوصية مثلاً حتى على تقدير التأخير فيها، فإن الأمر الأول مما يمكن إحرازه بالتعبد الشرعي سواء من خلال البينة أو الاستصحاب أو غيرهما ولا يلزم إحرازه بالوجدان.
وعلى ذلك فالصحيح جريان الاستصحاب في المقام، ولأجله لا تجب المبادرة إلى الوصية أو الاستيثاق مع عدم اطمئنان المكلف بفوات ذلك عليه بالتأخير، على كلام في جريان الاستصحاب مع ظهور أمارات الموت مرَّ الإيعاز إليه.