شيعة العراق وبناء الوطن - مالك، محمد جواد - الصفحة ١٢٣ - ب البعد الإقليمي
السياسية السرية التي تشكلت في كل من بيروت ودمشق والقاهرة واسطنبول خلال الفترة ١٨٧٠-١٩٠٨م [١٢٨٨-١٣٢٦هـ]، بدقة أكثر من سابقاتها في تجديد طلباتها، وتعيين أهدافها. وبدلاً من المطالب العامة والغامضة الداعية إلى إصلاحات سياسية وإدارية أكدت هذه الجمعيات رغبتها في الحكم الذاتي، ومن ثم الانفصال عن الدولة العثمانية»([١٦٠]). وقد انعكست آثار التحرك القومي على العراق وغيره، إلا أن الأفكار الانفصالية لم تأخذ طريقها في الأوساط العامة، لوجود الروابط الإسلامية بينها وبين الدولة العثمانية، هذه الروابط المقدسة كانت هي العائق الأكبر الذي حال دون تحقيق قفزات سريعة لأفكار القوميين العرب، الداعية للانفصال عن الدولة العثمانية، لذلك أستخدم أسلوب وسطي مناسب لتلك المرحلة، فدعا القوميون إلى (اللامركزية في الحكم) (كتكتيك) مرحلي مؤقت، يفتح آفاق الانفصال التام بعد تقدم الاتحاديين في سياستهم بشكل أوسع، كمبرر لانفصالهم، وكذلك لتكتمل الخطة المرسومة في الدوائر الغربية من كل جوانبها، حتى تتمكّن من السيطرة على وضع القوميين العرب بشكل يدركون أن قوتهم ومصيرهم بالارتباط التام بأسيادهم الغربيين.
لذلك «نشأت ضمن إطار البيئة الإسلامية مدرسة فكرية جديدة نادت بإيجاد حل للقضية العربية على أساس تكوين إقليم عربي يتمتع بالحكم الذاتي ضمن إطار (دولة) عثمانية لا مركزية. وقد تكونت هذه المدرسة خارج التيار الرئيس للفكر القومي العربي، وكبديل لدعوته الرامية إلى الانفصال.. إلا أنها ساهمت بصورة غير مباشرة في خدمة الحركة القومية من خلال جذبها الغالبية العظمى من السكان الذين كانوا قد رفضوا ربط أنفسهم بالحركة القومية الانفصالية بسبب رابطتهم الدينية، وقد رحب هؤلاء بالاتجاه الجديد للحركة القومية المنادي
[١٦٠] الكبيسي، باسل: حركة القوميين العرب، تعريب نادرة الخضيري الكبيسي، الناشر: الأبحاث العربية، الطبعة الرابعة ١٩٨٥م، بيروت،ص٤٠.