شيعة العراق وبناء الوطن - مالك، محمد جواد - الصفحة ٨١ - جدول رقم (٤)
أما مدحت باشا فقد «شرع بتطبيق قانون الأراضي العثماني على العراق ليعزز سياسته الرامية إلى تصفية النظام العشائري، وبمقتضى أحكام هذا القانون كان يجوّز تفويض الأرض الأميرية لزارعها الفعلي، وبالتالي إكساب مصلحة ثابتة فيها، (لغرض) تحويل العشائر شبه البدوية، إلى مجاميع متوطنة بصورة دائمة، قائمة على الزراعة، وبالتالي تسهيل خضوعها للسلطة المركزية. وعن طريق جعل ملكية الأرض خاضعة لوثيقة تحريرية، كان مدحت يرمي إلى القضاء على الحروب العشائرية حول الأراضي المتنازع عليها، والاستعاضة عن سلطة الشيخ في منح الأراضي بسلطة الدولة.. وعن طريق توزيع الأراضي بين زارعيها، كان مدحت يرمي إلى إلغاء الملكية العشائرية المشتركة والاستعاضة عنها بالملكية الفردية الخاصة، التي كان يعتقد أنها ستحطم النظام العشائري.. إلا أن الهدف الرئيس لسياسة مدحت باشا وهو تفويض الأراضي لصغار المزارعين، وتحويل أفراد العشائر إلى ملاّك أرض، لم يتحقق أبداً، فلم يكن بوسع أفراد العشائر أن يهيئوا ما يكفي من المال لدفع (المعجّل) للحصول على سندات الطابو، ومن جهة أخرى كان القانون يمنع الملكية المشاعة. وبذلك حَرَم العشيرة كهيئة جماعية من إمكانية شراء الأرض.. وفوق كل هذا لم يكن أفراد العشائر يجدون أي سبب لشراء أراض كانوا قد حققوا الحيازة الكاملة والفعلية عليها بالقوة. إنّ تردّد، أو عزوف أفراد العشائر في شراء سندات الطابو، أفسح المجال أمام الموظفين الكبار وتجار المدن وبعض الشيوخ الأذكياء لشراء الأراضي والحصول على السندات»([٨٤]). هذا وقد «أصبحت تلك القوانين والتشريعات تشكل الأسس العامة التي تحدد أشكال حيازة الأرض وزراعتها طيلة الفترة الأخيرة من العهد العثماني»([٨٥]). والجدير بالذكر أن هذه السياسة خاصة للأراضي الأميرية أي التابعة للحكومة العثمانية والتي أصبحت معظم أراضي العراق منها. «أما العقارات التي كان بوسع أصحابها إبراز حجج شرعية
[٨٤] نظمي، وميض: الجذور السياسية والفكرية.. مرجع سابق، ص٥١،٥٣.
[٨٥] الرهيمي، عبد الحليم: المرجع السابق،ص٤٠.