شيعة العراق وبناء الوطن - مالك، محمد جواد - الصفحة ٨٠٠ - دخول العراق عصبة الأمم - بداية عهد الاستقلال الرسمي
إلا أنه في الحقيقة كان استقلالاً اسمياً لا فعلياً([١٥٥٩])، وبالإضافة إلى ذلك تمّ تحقيق الهدف المركزي للاستعمار البريطاني في العراق، وهو إبعاد الإسلاميين وبالذات العلماء المراجع، من التدخل في الشؤون السياسية، وبذلك تم تحجيم الشريعة الإسلامية في زاويا العبادات وبعض الشؤون الاجتماعية كالزواج والطلاق، منفصلة عن السياسة والإدارةللبلاد.
وقد كرّست الحكومات العراقية المتعاقبة مبدأ فصل الدين عن السياسة. كنتيجة مستحصلة من السياسة الاستعمارية، وشيئاً فشيئاً تعمّقت هذه الفكرة بين العراقيين، وأصبح الشعب مزدوج الثقافة، فثقافة تغذيه من الجانب الروحي في العبادة والسلوك الاجتماعي، يتولاها علماء الدين، وثقافة الواقع السياسي والإداري والوظيفي، تتولاها الحكومة المرتبطة بالأجنبي. وقد ضعف دور العلماء في حياة الأمة حتى في الدور التربوي والعبادي، نتيجة لتلك السياسة الاستعمارية وما أُشيع حول علماء الدين من دعايات مغرضة هدفها شلّ حركتهم داخل الأمة، وقد بلغت الأزمة شدّتها حينما تجسّد ذلك الواقع المرير في ظهور خط فكري استسلامي داخل الأمة، وبذلك تحققت أمنية الاستعمار في محاولة تحنيط تعاليم الإسلام ضمن طقوس فارغة من الروح الحركية الفاعلة، التي تؤدي إلى بناء الوطن والحياةالكريمة.
والأدهى من ذلك إن الإدارة السياسية العراقية كرست هذه التوجهات البريطانية كأساليب وقائية، خوفاً من انتشار الوعي الإسلامي العام مجدداً ونهوض المسلمين ضد العملية السياسية القائمة، بل استخدمت لتحقيق هذا الهدف أنواع الإثارات الطائفية، والمذهبية وكذلك القومية والإقليمية والمحلية أحياناً، مما ساعد على حصر فعالية العلماء والإسلاميين وإبعاد الناس عنهم وعن أطروحتهم الحياتية. ومما يذكر في هذا الصدد، إن
[١٥٥٩] التكريتي، د. عبد المجيد كامل: مرجع سابق، ص٣٢٨-٣٢٩. راجع، صايغ، د. أمين: في مفهوم الزعامة السياسية من فيصل الأول إلى جمال عبد الناصر، بيروت ١٩٦٥،ص٤٩.