شيعة العراق وبناء الوطن - مالك، محمد جواد - الصفحة ٥٤٢ - الإنكليز، وتغيير الأسلوب الإداري
فقد صرح بذلك للمس بيل بقوله: «خاتون، هناك ألف ومائة رجل في إنكلترا بوسعهم أن يشغلوا منصب السفارة في إيران، لكنه ليس هناك من يليق للعراق سوى (السير برسي كوكس)، فهو معروف ومحبوب وموضع ثقة أهالي العراق. كما أنه رجل حنّكته السنون.. وإني أُشهد الله أن (السير برسي كوكس) لو كان موجوداً في بغداد لكنّا في غنىً عن حماقة استفتاء الناس عن رأيهم في مستقبل البلاد، حيث أن ذلك كان سبباً للاضطراب والقلاقل، ولم تخمد سورة الفتن في المدينة بعد..»([١٠١٦]). وللعلم إن هذا التطبيل الإعلامي إلى جانب شخصية (كوكس) ومشروعه في تشكيل الحكومة الجديدة، لم يحقق إلا تنازلاً شكلياً في الصورة الإدارية للعراق، وإن هذا التنازل الظاهري يعدّ من ثمار ثورة العشرين، إنما تم إجراؤه حرصاً من بريطانياً على مصالحها عبر إحكام قبضتها على العراق من الداخل، وبذلك تضمن سلامة استثمارها الاقتصادي والسياسي في العراق، بل تضمن الأرض الصالحة لتمرير مخططاتها في المنطقة، تلك الأرض التي تتمتع بموقع جغرافي مهم بالنسبة للطيران والمواصلات البرقية، بالإضافة للأهمية السياسية الدقيقة للعراق حيث «إن السيطرة البريطانية على بغداد شأنها أن تعزز مركزها ووضعها في المنطقة، وأن تسهل عليها أمر تحقيق سياستها في إيران. ونحن إذا تذكرنا هذا الأمر يسهل علينا.. أن ندرك حرص الحكومة البريطانية على تهدئة العراق، وعلى إقامة حكومة وطنية تتستر وراءها، حكومة تتعهد بالاعتراف بالمصالح البريطانية في العراق بموجب اتفاقية يوقّع عليها من الجانب البريطاني»([١٠١٧]). ومن هنا نؤكد ما ذهبنا إليه، بأن الإدارة البريطانية استخدمت الخيارين المختلفين في الأسلوب ولكنهما - في الحقيقة - متفقان في الجوهر المحروز بالخيارين معاً، ألا وهو تكريس الوجود البريطاني في العراق،
[١٠١٦] بيل، ألمس: فصول من تاريخ العراق القريب، مصدر سابق، ص٤٧٥-٤٧٦. مذكرة المس بيل كتبتها في ١٩١٩م.
[١٠١٧] النفيسي، عبد الله: دور الشيعة في تاريخ العراق الحديث، مرجع سابق،ص١٦١.