شيعة العراق وبناء الوطن - مالك، محمد جواد - الصفحة ١٣٧ - الدور السياسي والأمني للمؤسسات الدينيةوالاجتماعية
تستمد وجودها من وجود ضريح (أبو حنيفة) المشرع السّني وعالم الدين.. كانت تقتصر في سكانها على السُّنة.. وكذلك فقد كان أعضاء كل من الحِرف المختلفة التي توزع عليها أصحاب المهن اليدوية، الذين كانوا منظمين بشكل ضعيف نسبياً ضمن تجمعات مهنية، أو (أصناف) يميلون أيضاً إلى السكن معاً في شوارع منفردة لكل حرفة.. [وكذلك] فإن الذين كانوا يشكلون جزءاً من (جماعة دينية) كالمسيحيين واليهود، كانوا يتمتعون باستقلالية ذاتية في شؤونهم الشخصية والمليّة (الدينية)»([١٧٩]).
وهذه الحالة كانت تعبرّ عن الحاجة الفطرية في توفير الحماية الأمنية من خلال الاتفاق على أساس تلك الولاءات المصنّفة. وقد استفحلت بوضوح بعد ثورة الدستور (١٩٠٨م،١٣٢٦هـ)، واستلام الاتحاديين زمام الحكم. ففي عام (١٩١٠م،١٣٢٨هـ) - مثلاً - كتب أحد نواب بغداد في المجلس العثماني، يقول: «أسلم للمرء ألف مرة أن يعتمد على العشيرة من أن يعتمد على الحكومة، ففي حين أن هذه الأخيرة تؤجل أو تتجاهل الإخضاع، نجد أن العشيرة، ومهما كانت ضعيفة، ما أن تعلم بأن ظلماً قد وقع ضد أحد أعضائها حتى تعد نفسها للأخذ بثأره»([١٨٠]).
كما أن حالة التماسك هذه كانت ملحوظة داخل العشائر، فإنها كانت موجودة في المدن أيضاً باتجاه المحلات أي الأطراف، ومما لا يخفي إن لهذه الظاهرة إيجابياتها كما أنّ عليها سلبياتها، فقد تتطور هذه الحالة إلى العصبية والصراع بدوافع محلية، فمثلاً في بغداد جرت مظاهرات عامة في تشرين الأول ١٩١١م ضد الغزو الإيطالي لطرابلس، فتجمع الناس بحسب المحلات، واندلع شجار عنيف بين جماعة حي باب الشيخ وجماعة حي الحيدرخانة حول مسألة الأسبقية ومن يتصدّر
[١٧٩] المرجع ذاته، ص٣٦-٣٧.
[١٨٠] المرجع ذاته،ص٤٠.