الشرح الکبير - ابن قدامه مقدسی، عبدالرحمن بن محمد - الصفحة ٤٥٦ - أحكام اصطدام السفينتين وغرقهما بذلك
قتله لدفع شره فاشبه وذلك أنه إذا قتله لدفع شره كان الصائل هو
القاتل لنفسه فاشبه مالو نصب حربة في طريقه فقذف نفسه عليها فمات بها وفارق
المضطر فان الطعام لم يلجئه إلى اتلافه ولم يصدر منه ما يزيل عصمته ولهذا
لو قتله لصياله لم يضمنه ولو قتله ليأكله في المخمصة وجب عليه الضمان وغير
المكلف كالمكلف في هذا وقولهم لا يملك إباحة نفسه قلنا : والمكلف لا يملك
اباحة نفسه ولو قال أبحت دمي لم يبح مع أنه إذا صال فقد أبيح دمه بفعله فلم
يضمنه كالمكلف
( مسألة ) ( وان اصطدمت سفينتان فغرقتا ضمن كل واحد منهما
سفينة الآخر وما فيها ) إذا اصطدمت سفينتان متساويتان كاللتين في بحر أو
ماء واقف فان كان القيمان مفرطين ضمن كل واحد منهما سفينة الآخر بما فيها
من نفس ومال كالفارسين إذا تصادما وان لم يكونا مفرطين فلا ضمان عليهما ،
وقال الشافعي : يضمن في أحد الوجهين لانهما في أيديهما فضمنا كما لو اصطدما
فارسان لغلبة الفرسين لهما ولنا أن الملاحين لا يسيران السفينتين بفعلهما
ولا يمكنهما ضبطهما في الغالب ولا الاحتراز من ذلك فأشبه الصاعقة إذا نزلت
فاحرقت سفينة ويخالف الفرسين فانه يمكن ضبطهما والاحتراز من طردهما وان كان
أحدهما مفرطا وحده ضمن وحده ، وان اختلفا في تفريط القيم ولا بينه فالقول
قوله مع يمينه لان الاصل عدمه وهو أمين أشبه المودع وعند الشافعي أنهما إذا
كانا مفرطين فعلى كل واحد من القيمين ضمان نصف سفينته ونصف سفينة صاحبه
وقال مثل ذلك في الفارسين وسنذكره ان شاء الله تعالى والتفريط ان يكون
قادرا على ضبطها أوردها عن الاخرى فلم يفعل أو أمكنه أن يعد لها إلى ناحية
أخرى فلم يفعل أو لم يكمل آلتها من الرجال والحبال وغيرهما
( مسألة ) ( وان
كانت احداهما منحدرة فعلى صاحبها ضمان المصعدة إلا أن يكون عليه ريح فلم
يقدر على ضبطها ) متى كان قيم المنحدرة مفرطا فعليه ضمان المصعدة لانها
تنحط عليها من علو فيكون ذلك سببا لغرقها فتزل المنحدرة بمنزلة السائر
والمصعدة منزلة الواقف إذا اصطدما ، وإن غرقتا جميعا فلا شئ على المصعد
وعلى المنحدر قيمة المصعدة أو ارش ما تقصت ان لم تتلف كلها الا ان يكون
التفريط منالمصعد بان يمكنه العدول بسفينته والمنحدر غير قادر ولا مفرط
فيكون الضمان على المصعد ، وان لم يكن من واحد منهما تفريط لكن هاجت ريح أو
كان الماء شديد الجرية فلم يمكنه ضبطها فلا ضمان عليه لانه لايدخل في وسعه
( ولا يكلف الله لفسا إلا وسعها ) فان كانت إحدى السفينتين واقفة