الشرح الکبير - ابن قدامه مقدسی، عبدالرحمن بن محمد - الصفحة ٢٠٤ - أحكام القذف والقاذف وبيان الحد فيه
وجملة ذلك أن الشهود إذا رجعوا عن الشهادة أو واحد منهم ففيهم روايتان ( احداهما ) يجب الحد على الجميع لانه نقص عدد الشهود فلزمهم الحد كما كانوا ثلاثة وان رجعوا كلهم فعليهم الحد لانهم يقرون انهم قذفة ، وهو قول أبي حنيفة ( والثانية ) يحد الثلاثة دون الراجع اختارها ابو بكر وابن حامد لانه إذا رجع قبل الحد فهو كالتائب قبل تنفيذ الحكم بقوله فيسقط عنه الحد لان في درء الحد عنه تمكينا له من الرجوع الذي يحصل به مصلحة الشهود وفي إيجاب الحد عليه زجر له عن الرجوع خوفا من الحد فتفوت تلك المصلحة وتتحقق المفسدة فناسب ذلك نفي الحد عنه ، وقال الشافعي يحد الراجع دون الثلاثة لانه أقر على نفسه بالكذب في قذفه واما الثلاثة فقد وجب الحد بشهادتهم وانما سقط بعد وجوبه برجوع الرابع ومن وجب الحد بشهادته لم يكن قاذفا فلم يحد كما لو لم يرجع احد .
ولنا انه نقص العدد بالرجوع قبل إقامة الحد فلزمهم الحد كما لو شهد ثلاثة وامتنع الرابع من الشهادة وقولهم وجب الحد بشهادتهم يبطل بما إذا رجعوا كلهم وبالراجع وحده فان الحد وجب ثمسقط ووجب الحد بسقوطه ولان الحد إذا وجب على الراجع مع المصلحة في رجوعه باسقاط الحد عن المشهود عليه بعد وجوبه واحيائه المشهود عليه بعد اشرافه على التلف فعلى غيره أولى فاما ان كان رجوعه بعد الحد فلا حد على الثلاثة لان إقامة الحد كحكم الحاكم الحاكم لا تسقط برجوع الشاهد بعده وعلى الراجع ربع ما تلف بشهادتهم ويذكر ذلك في الرجوع عن الشهادة ان شاء الله تعالى .
( فصل ) وإذا ثبتت الشهادة بالزنا فصدقهم المشهود عليه لم يسقط الحد
وقال ابو حنيفة يسقط لان صحة البينة يشترط لها الانكار وما كمل بالاقرار .
ولنا قول الله ( فان شهدوا فامسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا )