تحرير المجلة - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١١١ - مقدّمة الكتاب
تشتمل على أمور تفيد مزيد بصيرة في العلم و الكتاب.
و نحن-بتوفيقه تعالى-نذكر-من باب المقدّمة-أمورا لعلّها تنفع في الغرض إن شاء اللّه.
الأوّل: أهم شيء يلزم معرفته بادئ بدء أنّ اللّه سبحانه لمّا تعلّقت مشيئته بإيجاد هذا النوع، و هو المسمّى: بالبشر، و قضت حكمته أن يعمّر به هذه الكرة الّتي تسمّى: بالأرض، و يمهّد له فيها وسائل الرقي باختياره إلى مدارج القدس و معارج السعادة في أولاه و أخراه، لذلك أودع فيه غرائز و أوضاعا ١ ، و فطره على سجايا و طباع، قمينة ٢ له بالغرض الّذي خلق من أجله.
فجعل فيه الشهوة، و الغضب، و ما يتشعّب منهما من الحرص، و الطمع، و الطموح، و التعالي، و ما إلى ذلك ممّا لسنا بصدد إحصائه.
و لكن لمّا كان من لوازم تلك الشناشن ٣ التغالب و التكالب، و التشاحن و التطاحن، و سعي بعض في هلاك بعض، و حب الإثرة و الإمرة، و كان إرخاء العنان لتلك الغرائز و تركها على رسلها ممّا يعود بنقض الغرض من خلق الإنسان، لا جرم احتاجت القوّتان إلى قوّة أخرى تكبح طغيانها و تمسك عنانها و تعدّل أوزانها، فنفخ فيه من روحه القوّة العاقلة؛ لتكون هي المسيطرة على جماح تلك القوّتين الجبّارتين.
و لمّا كانت قوّة العقل البشري نوعا محدودة، و حظيرة إدراكاته ضيّقة، و كثيرا ما تكون في كثير من البشر ضعيفة، و ما أكثر ما تتغلب واحدة من تينك القوّتين على القوّة العاقلة، فيصبح العقل أسير الهوى و العاطفة، فكان من
[١] في المطبوع: (أوضاع) ، و الصحيح ما أثبتناه.
[٢] قمين: خليق، و جدير. (لسان العرب ١١: ٣١٠) .
[٣] الشنشنة: الطبيعة، و الخليقة، و السجية. (لسان العرب ٧: ٢٢٠) .