الهدايا لشيعة ائمّة الهدي - مجذوب التبریزي، شرف الدین محمد - الصفحة ٤٠٣
«بما لا تعلم» أي وثقتي بظنّك فيما يجري فيه وفي دليله الاختلاف بلا مكابرة . وقال السيّد الأجلّ النائيني رحمه الله : «بالباطل» أي أن تعبد اللّه بما هو مأخوذ لا من جهةٍ يجب الأخذ منها، سواء كان من العقائد والمعارف، أو من الأعمال فعلاً أو تركا. والجهة المأخوذ منها في العقائد الاُصوليّة البراهين والأدلّة العقليّة ، وقد يتمسّك في بعضها بالسمعيّات، وفي المسائل الفروعيّة الكتابُ والسنّةُ المنقولة المنتهية إلى الحجّة المعصوم، ولغير العارف القويّ على استنباط مقاصدهما على منهاج الاستقامة والسّداد العارف بهما، فيؤخذ بقوله وفتياه . وقوله: «وتفتي الناس بما لا تعلم» ذِكْرٌ للخصلة الثانية . وكما لا يجوز للآخذ أخذ العلم من غير مأخذه لا يجوز للمفتي أن يفتي ـ أي يجيب في المسائل ويبيّنها أو يقضي ـ بما لا يعلم؛ فإنّ المفتي إن لم يكن واصلاً إلى مرتبة معرفة الكتاب والسنّة وتصدّى للإفتاء فقد ركب متن عمياء ، وإن وصل إلى تلك المرتبة وأفتى بما لم يأخذ منهما [١] على ما هو طريق الأخذ ـ تمكّن من الأخذ أو لم يتمكّن ـ فقد خبط خبط عشواء . [٢] انتهى في قوله رحمه الله: «والجهة المأخوذ منها في العقائد الاُصوليّة البراهين والأدلّة العقليّة» ما فيه؛ فإنّ في غير المعلومات بالاتّفاق من العقائد وغيرها لا يحصل القطع ببرهان عقليّ على شيء إلّا بقول الحجّة المعصوم العاقل عن اللّه ؛ لانحصار الأعلميّة في علّام الغيوب تعالى شأنه، والبراهين العقليّة على أحكام الأجرام العلويّة ـ مثلاً ـ قد تفيد القطع باستقامة نظام لو كان على هذا في الواقع لا بكونه واقعيّا ، وقد جوّز أهل الهيئة باستقامةِ نظامِ فَلَكِ الشمس في قرب مركزها وبُعده من مركز العالم بطريقين بممثّل وخارج المركز، أو بممثّلٍ و تدويرٍ وحاملٍ موافق المركز ، فيمكن أن يكون الواقعي ثالثهما ، وعند إقامة البرهان على الثالث لا يحصل القطع أيضا بما هو الواقع إلّا أنّ يخبر الحجّة المعصوم العاقل عن اللّه سبحانه .
[١] في المصدر: «لم يأخذه متنهما».[٢] الحاشية على اُصول الكافي ، ص ١٣٢.