الهدايا لشيعة ائمّة الهدي - مجذوب التبریزي، شرف الدین محمد - الصفحة ٣٦٢
بأنّ العلم الحاصل بالمكاشفة أعلى وأقوى من العلم الحاصل من قول الأنبياء . و «ألا» في المواضع حرف الاستفتاح والتنبيه . و «في» فيها بمعنى «مع» . وقال السيّد الأجلّ النائيني رحمه الله : «حقّ الفقيه» أي حقيقة الفقيه. و «حقّ الفقيه» بدل عن «الفقيه» وما بعده خبرُ مبتدإٍ محذوف ؛ أي هو «من لم يقنّط الناس». ويحتمل أن يكون «حقّ الفقيه» مبتدأ وما بعده خبر. والمراد أنّ الفقيه حقيقةً ليس إلّا من هو عالم بالمراد بما ورد في الوعيد والوعد والعفو بملاحظة بعضها مع الآخر حتّى يتبيّن له المراد. ومن يقتصر على ملاحظة البعض دون الباقي ويعتمد على ما يفهمه بتلك الملاحظة فيؤدّيه إلى أن يقنّط الناس من رحمة اللّه ، أو يؤمّنهم من عذاب اللّه ، أو يرخّص لهم في معاصي اللّه ، فبمجرّد علمه بالمسائل الشرعيّة الفروعيّة لا يكون فقيها. وكذا حقيقة الفقيه لا يكون إلّا لمن أخذ بكتاب اللّه وتفكّر فيه ولم يرغب عنه إلى غيره؛ فإنّ التارك لكتاب اللّه لا يكون فقيها وإن كان حافظا للأحاديث، ضابطا لها، فإنّ معرفة الأحاديث وفهمها لا يتمّ إلّا بمعرفة كتاب اللّه والتفكّر فيه. وأمّا مَن ترك التفكّر في كتاب اللّه ، ثمّ قاس على الأحاديث، فعدوله عن الحقّ أكثر. ويحتمل أن يكون قوله : «ألا لا خير في علمٍ ليس فيه تفهّم» ناظر إلى ما ذكره أوّلاً ؛ فإنّ مَنْ كان يتفهّم يعلم أنّ الوعيد للتقريب من الإطاعة، والتقنيط يبعّد عنها ، فمن يقنّط لم يكن في علمه تفهّم . و «ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبّر» ناظر إلى ما ذكره ثانيا؛ فإنّ من يتدبّر في قراءته للكتاب والقصص المذكورة فيه ـ من نزول العذاب عند المعاصي ـ علم أنّها نزلت لئلّا يأمنوا من عذاب اللّه ، ولم يجترئوا على المعاصي، ولم يرخّصوا لأنفسهم فيها. و «ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفكّر» ناظر إلى ما ذكره ثالثا من قوله : «ولم يترك القرآن رغبةً عنه»؛ فإنّ من تمسّك بالقرآن وعمل بما فيه كان آخذا بما يتعبّد به من مأخذه بالتفكّر ، ومَن ترك التمسّك به ورغب عنه إلى غيره كان آخذا له من غير مأخذه الذي كان يجب أن يأخذ منه تاركا لأخذه كما ينبغي بالتفكّر .