الهدايا لشيعة ائمّة الهدي - مجذوب التبریزي، شرف الدین محمد - الصفحة ٤٤٨
(لا تجعل بيني وبينك عالما مفتونا بالدُّنيا) كالمدّعي لعلم الدِّين بالكشف من دون استناد في علمه إلى الحجّة المعصوم المنحصر عدده في حكمة اللّه سبحانه. أي لا تجعله وسيلة التقرّب إليّ ظنّا منك بادّعائه وادّعاء رهطه المريدين أنّه صاحب الكشف والكرامات، وعالِم بالأسرار والخفيّات، وهو بتركه للدُّنيا مفتون بها كمن ترك الدنيا للدُّنيا، والدليل على ذلك أنّه يحبّ كثرة المريدين من الحمقاء، ويدّعي المكاشفة بالرياضة الممنوعة شرعا، ويُظْهِر العلم بالأسرار وحقائق الأشياء من دون أن يكون حجّة معصوما منصوصا، أو تابعا له فيما أمر به ونهى عنه. قال برهان الفضلاء: «يحوط» على المضارع المعلوم من باب نصر، أو التفعيل. و«الحوط» و«التحويط»: المحافظة والرعاية. و«ما» مصدريّة، أو موصولة. فعلى الأوّل: المصدر نائب عن ظرف الزمان والعائد مقدّر، فبمعنى: يحوطه مدّة حبّه إيّاه، فلو زال الحبّ لزال الحوط. وعلى الثاني: من قبيل وضع الظاهر موضع الضمير لإفادة التعليل، فبمعنى: يحوطه لحبّه إيّاه. والمراد بنزع حلاوة المناجاة من قلوبهم: عدم توفيقهم للرجوع إلى محكمات الكتاب والسنّة. وقال السيّد الأجلّ النائيني رحمه الله: «يحوط ما أحبّ» أي كلّ محبّ لشيء يحفظه ويتعهّد من هذا الشيء ومن مقابله ما أحبّ، وحبّه [١] المقابل للشيء المنافي له لا يجامع حبّ ذلك الشيء؛ فمن أحبَّ الدنيا لم يحبّ الآخرة كما في قول أمير المؤمنين عليه السلام : «فمَن أحبّ الدنيا وتولّاها أبغض الآخرة وعاداها». [٢] وللإشعار إلى ما ذكر قال: «يحوط ما أحبّ» ولم يقل: «يحوطه». ومن المعلوم أنّ حفظ الدنيا وتعهّدها لا يجامع إظهار الحقّ والعمل به غالبا، فمن يحوطها يميل إلى الباطل كثيرا، فكلّ قول وفعل منه مظنّة كونه من الكثير الغالب،
[١] في المصدر: «محبّة».[٢] نهج البلاغة ، ص ٤٨٦ ، الحكمة ١٠٣؛ و عنه في بحار الأنوار ، ج ٧٠ ، ص ١٢٩ ، ح ١٣٤.